حكاية جورب

يوليو 23rd, 2009 كتبها الخير شوار نشر في , لذّة النص

محمد الأصفر

أنـا.. جورب رخيص، ثمني نصف دينار، أنتجتني تشاركية صناعية، وزع هامش ربحي بالتساوي على عناصر الإنتاج، اشتراني إنسان بسيط، منتج مستور الحال، تزوج هذا المنتج من فتاة بسيطة، سكن بها في شقة صغيرة كانا فرحين سعداء .

كانـت العروس لطيفة جداً معي، تغسلني كل يوم بماء دافئ، لا تحرق بشرتي بالصابون، ولا تكويني بالبوتاس، ولتنعشنى تنشرني في الشرفة فيجففني نسيم بنغازي العليل .

كنـت أناجي هبات النسيم وأتذكر دعكات أناملها المخضّبة بالحناء، كانت تدعكني ببطء كعلكة في فمها المسوّك كنت أنظر إلي الجورب اللحمي المركون قرب الباب تحت مرآة (دولاب) المدخل ..

وذات يوم مرضت العروس، ربما حملت، فغسلني العريس بماء بارد في عز الشتاء، أوجع أنسجتي بدعكاته الخشنة، كاد أن ينسل أسلاكي، كاد أن يفض مطاط عنقي المصفح، اختبأت منه - الله غالب - فى رغوة الصابون.. عندما نشرني على الحبل نسي أن يشد أذني (بمساكة) فقذفتني الرياح بعيداً لأسقط في فناء دارة أنيقة، أخذت الرياح تقلبني داخل الدارة من مكان إلي مكان، وكأنها توضح لي الفرق بين الشقة والقصر.. وفي إحدى الأركان كانت حجرة الغسيل، اقتربت منها حذراً، كان ينبعث من داخلها صوت طنين، نظرت وظهري ملتصق بمقبض الباب، رأيت الخادمة ترمي قطع الملابس في جوف وعاء معدني متصل بخيط يتأرجح من علبة في الجدار، هذا الوعاء الطنان ليس (كلياننا الصغير*) الذي لا يتصل بجسده أي خيط يربطه، خفت أن ترمقني الخادمة فتظنني من العائلة وترميني لأدور بسرعة معهم في هذا القبر، إبتعدت عن الحجرة

المزيد


كان وحيدا والوحدة قاسية

فبراير 23rd, 2009 كتبها الخير شوار نشر في , لذّة النص

 

محمد بن زيان

يندفق الصوت كتدفق الماء…ويتدفق في صحراء تثبت بالمحو…صحراء تحقق بالفقد…يتدفق صوت «التيندي» وصوت بالي هاتفا «أمين…أمين» وصوت الفردة «يا كريم الكرماء»..القلب مطعون، مخرب، مفكك…ما يسكن الداخل فظيع ورهيب ومرعب…الداخل جحيم…الجحيم يطفو فيكتب الجسد…الجسد جنازة والجنازة بلا مشيعين…هو الحال والحال تحلل والتحلل حلول في العدم.

المرايا تحيط بي، تخرج منها أهوال…مرايا الخيانة…مرايا تشمل الرؤية والرؤيا…أقسى ما يكتب على فرد في هذه الدنيا الفانية الخيانة، وفي المثل الصيني:»ثلاثة من أقسى ما يلحق الفرد، محاولة النوم ولكن النوم يمتنع، حب من لا يحبه انتظار ما لا يأتي» الخيانة ألف شكل وقناع…عشرات المرايا…درجات تدفع نحو الدركات، تيارات نحو الفجيعة…للخيانة مراثيها ومدائحها… مديحا في كشفها للحقائق…الخيانة بتر وفي البتر الضدين، الموت والحياة.. الخائن ليس الغريب، ليس العدو المعلوم، ليس الخارج…الخائن هو الأليف، هو الحبيب، هو الداخل، لذا تنحبك المأساة، مأساة فقدان الطعم، فقدان الحلم، فقدان الأمان، إنها المأساة.

ميم الغارق في تراجيدياته كان يخاطب نفسه بالكلمات المذكورة بعد توالي الطعنات التي أفقدت الطعن معناه.

ها هو حتى ألف يطعن ويغمس خنجره في القلب الذي احتواه…ميم أنهكه الجسد وأنهكته الحياة التي عاكسته، أنهكته هشاشته، أحاسيسه وعواطفه ومشاعره…أسقطه ما يسكنه كان مسار الميم تورما، كلما تقدم العمر تضخم الورم وكلما تضخم تضاعفت الآلام فتزايد النزيف كان ميم هشا نفسيا وعاطفيا، مسكونا بالتيه والضياع والتشرد، دوما غريبا يفتقد المقام والاقامة والقامة فك

المزيد


كدمية روسية مركبة

ديسمبر 19th, 2008 كتبها الخير شوار نشر في , لذّة النص

2352
محمد بن زيان
مخنوق أتخبط… يلمحني أمين، ينتشلني ويحاول رفع ما بي، يرفع الغطاء عن ما يسكنني، ما الذي فيه، ما المهم الذي أحمله؟ سهرنا وحاولت الكلام لأتحرر، لكن عجزت عن صياغة ما في، لم أجد عبارات تقولني، لم أستطع أن أكتبه، أن تنكتب حالتي… البوح ضرورة سيكولوجية، والكتابة قد تكون تحررا، والكتابة كما قال البعض هي عن الفقدان وأنا غارق في الفقدان… أمين حاول إخراجي ما *فامتلكت جرأة سرعان ما تمزقت وأدركتني الغرغرة فسكت ولم يخرج ما بي ظل في، ظل ناسفا لأطلال الباطن…إيه يا أمين من أين أقبض رأس الخيط لأخط الخطوط؟ إيه يا أمين السيرة كلها صواعق داخلية، السيرة مكبوتات طمست المكتوب فغابت الخطوط واهتز السبيل…وأمين المعاني من وضع خانق يتسامى لينقذني…رباه مالي هكذا أدفع بالعبء إلى من يحملون أعباء فأضيف لهمومهم هموما؟ أمين هبة الله في زمن دائري، هبة الله، إنه انسكاب أمان في ضياع وغرفة، لم أره حتى كبر…كنت قابعا بجوار دكان كنا نتسامر فيه إلى بعد منتصف الليل… جاء برفقة أحد أبناء الحومة “وهاب”، أدركت أنني أعرفه، لكن لم أتبينه إلا بعد فترة…وبدأ يتجلى، في كل مرة يتجلى استثناء رائعا…ربما أثر في عميقا، أسندني، زارني وأنا على سرير المرض في المستشفى، كان هو الصغير يدفع مصاريف قهوتي وسجائري… كان يتحمل حماقاتي، يسمعني، وكنت خائبا لم أتمكن يوما من رد جميله وتسديد دينه…وكل مرة يفاجئني بما يزداد به تساميا…لقد كان بمثابة المعالج الحكيم… يصغي مهتما ويفتح باله متفهما ومستوعيا كأنه أحد فلاسفة الاختلاف…لقد راجعت التحليل النفسي لتفكيك ما سكنني حتى أتعافى منه ولكنما قرأته لم يسعفني كما أسعفني الحديث إلى ومع أمين. أمين دوما وما طموح، مسكون باتقانه الفرنسية والانجليزية والتحكم في الاعلام الآلي وإتقان العزف على ال?يتارة…وحفظ القرآن يسمع الموسيقى وينتشي، يدخل الترانس، محلقا تحليقا يحرره من مستنقعات الواقع…يتابع الأفلام ينجدب لأفلام تستفز البال وتدفع للسؤال…وأحدثه عن عمالقة الأداء السينمائي الذين يجذبونني فأجده مشاطرا لي، عن روبير دينيرو ممثلي المحبذ بأدائه الرائع وآل باتشينو وكيفين كوسنار وأنطونيو بونديراس وحتى بريس ويليس وراسل كرو…وعن مطربين وموسيقيين كياني وجيمي هندركيس وباشلي وبازروتي وبريل وجوداسان وسيلين ديون وبوب ديلان ومايكل بولتن وجورج مايكل والبيتلز… فأجده مشاطرا لي… ويسمعني أصوات وأنغام أخرى، ويريني أفلاما أخرى…الموسيقى والسينما نافذتان للتنفس بالتحليق حلما، والحياة حلم، بالحلم نصرع ما يمتد لصرعنا…بين لحظة وأخرى يعرب عن تذمره، ينتظر العمل، ينتظر فرصة الرحيل بعيدا للانطلاق فعليا وكما يشتهي.
وعدت أمين بالبوح، ووجدته الملاذ، ولكن كيف أرتب القول؟ كيف أصنف وأجدول؟ بماذا أبد

المزيد


أوطان قصية..!

ديسمبر 9th, 2008 كتبها الخير شوار نشر في , لذّة النص

7142
عبد الحميد شكيل

أطلقت إلى الريح، أوطان الماء القصية..!
الجهات العتيقة: لم تعد مزهوة بالصولجان المجيد..!
كيف أعتّق وردة الرمل الشبيهة!؟
وهي تتفلّت من يقين البوصلة :
لك بهجة المعنى.. وهو ينسلّ من حكمة الينابيع الرّضية..
لك عفة الجلنار.. وهو يتخفّف من نعاس الشّفاعة..
لك فرحة قلبي، وهو يترغبك،
أنت الصّفصافة الهيلمان..
كيف أسميك،
أيتها العالقة بأوجاع المهماز..؟
كيف لي.. أنا الهالك في مناسك جسدك؟
وهو يشمر لذاذاته القمحية..؟
- هل أرى إليك،
وأنت تجتازين برازخ الصمت..
وهو يتفصد – رغدا – في ممرات الذّهول..
- هل أقدر على انقداحات البذخ؟،
المندلع من فيض حواسك..!
الإقامة في منازل القبلة..
شعلة الازورار الكظيم،
وهو يتدرج في سلم أرومته..!
- كيف أنسلّ من دفق النظرة،
إني أتلظى في بساتين الاحتدام..!
الوقت البديل..
المرايا النبيلات..
صهد اللغة..
يناجزني في انخطاف الفتوح..!
إني أتملّى، نظراتك الرّشيقة بالنزف..
وهي تسدد غلظتها النّدية..
كيما تسويني في دائرة الغيث..
أنت الهطل، الوابل، الرّذاذ،
السّاعة الرملية،
وهي تتفاخم في مفازات السّهو!!
غير عابئة بهسيس المجرى..
- كيف يتماثل الهجس،
برق الرّوح البديدة..؟
- كيف أفتق ذؤابات الزّفرة،
أيتها المثقلة بزقو الجسد،
وهو يتهتك في غسق الشّهوة..؟
- كيف أخرج، من دهليز الشدو؟
محاصر بنعيم الدلال..
هالك في دمي اللغوي..
الفرحة لم تعد مزحة !!
لي وط

المزيد


..إلى امرأة مستحيلة

نوفمبر 20th, 2008 كتبها الخير شوار نشر في , لذّة النص

 2547

 

علاوة كوسة الصغير

 

أنا لن أقول صباحك سكرّ..

فبعض من الحب حين نذي به

في كأس ألفاظنا  يتعكر

ولا لن أقول صباحك عطر زكيّ

وزهر نديّ وعنبر

لأنه حين تموت الأماني بقلبي وقلبك

فأحلامنا في ضفاف التلاشي ست نثر

أنا لن أقول صباحك شعر جميل،

رقيق، وفيه بواخر حسك تبحر ..

فبعض القوافي تقزم فينا الهوى ..

وبعض من الشعر صار يضيق

بما يعترينا … وينكر..

ولا لن أقول صباحك كأس رحيق

على شفتيك يقيم

ويروى فؤادا على جانبيه العذاب يعمّر..

فكأس ملأناه بالأمس حبّا، وفاء وصمتا

إذا ما لمسناه حينا بكف الكلام سيكسرْ

 

-3-

أنا لن أقول صباحك شمس تلفك نورا

 تزين ذاك المحيا الجميل المعفر..

بكل إعتذار مرير ..

لأن الشموس تغيب وتظهر .

أنا سأقول : صباحك حبر بأحشاء

ذاك اليراع الشريد المكسر ..

ففي الحبر مدّ الأماني وجزر التنائي

وسر على ضفتيه الصباح سيزهر ..

فيا امرأة مستحيلة إذا ما التقينا

فلا تسأليني لماذا جوابي تأخر ..

لأنه حين يجافي الكلام شفاهي

فمعناه .. أني أعبرْ

المزيد


حكاية الرجل الذي يستحق أن يعشق..

نوفمبر 16th, 2008 كتبها الخير شوار نشر في , لذّة النص

” ..13كنت حقا مفرطة في نفسي أشد تفريط.. ولكنه اكتشف مناطق وجزر بجسدي وقارات بروحي ..” آ.ل شهيناز

كمال قرور

(قالت) في تلك الليلة الهادئة، كانت الآنسة الرقيقة شهيناز تنظر إلى مرآتها تجر فستانها الليلي الشفاف، سرحت شعرها، عقدته وراءها بشرائطها الحريرية الملونة بهرتها صورتها وكأنها أول مرة تقف أمامها. تأملتها مليا وهمست في أعماقها :
-أحقا أنا جميلة .؟
تبسمت المرآة :
-بل كما قال لك إنك فاتنة ..
مر طيفه مسرعا نحوها كشهاب في السماء،ارتبكت وتلعثمت وتورد خداها خجلا، حاولت صده واقصاءه وتجاهله ولكنه أقوى منها دائما،إنه شلال متدفق بالحيوية والحياة. استطاع فجأة أن يحطم أسوارها وقلاعها ويتسلل الى حديقة قلبها المليئة بالورود والرياحين ويتمدد هناك .
تنهدت من أعماقها المرآة :
-إنه يحاول أن يروض أنوثتك الساذجة ليعثر على كل الأسرار والغرائز ..
-آه .. لا تذكريني إنه يستفزني ويثيرني ..يغويني..ولما يفشل ينعتني بما يشاء..أتصدقين أني أشبه الإلهة مناة التي لا تصلح للعبادة ولا للإغواء..فهوت عليها حجارة من سجيل جعلتها هشيما .وأحيانا العجوز الشمطاء التي نحتها الزمن الخريفي بتجاعيده واصفراره وتقلب أجوائه،فانكمشت تحت أثوابها الفضفاضة تلعن القدر وقد فقدت كل ما هو جميل.. وأحيانا الشحيحة التي لا تجود ولا تلين ولاتهدأ ولا تغدق ..
 ضحكت المرآة :
-كم هو ذكي إنه يستطيع أن يرسم خيوط أعماقك الملتوية حتى تغدو ناعمة لينة ..
امتعضت شهيناز غيظا :
-لن ألين ..ولن يستطيع أن يكون فنانا أو عبقريا في الحب
-ماذا تريدين منه إذا ؟ اتركيه وشأنه إنه رجل ..
-لاشيء سوى أني أشعر برعشة شديدة لما أقترب منه ليثمل قلبي بماء قلبه ليمنحني ثقة أكبر بالحياة وليلهمني أشياء مفقودة بداخلي،فأنذر نفسي لأكون ملهمته الدائمة ..
-ألا تخافين عليه ..؟
-بلى إن قلبي يرتعد خوفا من امرأة أخرى جامحة تراوده عني.تذهله،تسحره،وتقوده حيث يشاء ..
-أنذريه بأن أصابعها لعنة وشفتيها لهيب وجسدها جحيم..
-كم مرة أنذرته.كم مرة حاولت أن أهدئ من روعه وأصور له راهب الفكر والفن والسياسة كيف يكون .. ولكنه كان يكفهر مثل الشتاء الغضوب القاسي ويصرخ في وجهي :
-أنا آخر المتصوفين..أنا يا قديستي لست الرب الذي تتصورين..رجل أنا كالآخرين بطهارتي بنذالتي..رجل أنا كالآخرين فيه مزايا الأنبياء وفيه كفر الكافرين ووداعة الأطفال وقسوة المتوحشين ..
-هكذا هم الرجال دائما أمام النساء..أطفال، ضعاف، حيارى ..
-بل لئاما يخونون ،يعبثون.يشتهون كل أنواع النساء وكل الأشكال ولا يكادون يؤمنون بواحدة،ولا ولن يعدلوا في الحب .
-عزيزتي أنت امرأة ولا بد أن تحسني فنون الفتنة والغواية وإلا ما معنى أن تكوني امرأة ..
-أنا لا أريد أن أكون مثل بقية النساء..أحاول قدر المستطاع أن أكون استثناء ولو على حساب أشياء دنيوية عابرة.أكثر النساء مأواهن جهنم وبئس المصير.. إني أبكي من أجلهن إني أراهن الآن أمامي عاريات، وشرارات حارقة تقذفهن كل حين..معلقات م

المزيد


أمين.. أمين

نوفمبر 13th, 2008 كتبها الخير شوار نشر في , لذّة النص

953 

محمد بن زيان

ينبعث الصوت التارقي، صوتا ممزوجا بإيقاع ينسجه الأمزاد، صوت الصحراء، والصحراء كالبحر تكتب الحياة في حالة التجلي، ينبعث صوت عثمان بالي، عثمان جرفه التيار، تيار الفيضان فالتبس الجسد بالرمل وتحققت النيرفانا في صحراء كانت دوما أرض البدايات ومحط الوحي. الرمل لا يمنحك العلامة إذا لم تمتلئ بسره وسره في عفوية تتخلى بها عن زخرفة الزيف… ينمحي بالمحو الصوت وفي الانمحاء يكتب… الصحراء بيداء البدء.
البدء لم يبتدئ أم أن البدايات بدأت بنهايات؟… الصحراء والرجل الأزرق، ينبعث الصوت وأنا مهموم… مصعوق بمرايا الخيانة التي أحاطت بي… مهموم ومسكون، ورغم فجائعي أتلهف على ما يأتي أخبار عن ما يجري في الصحراء وما يجري بين التوارق والساطة في الدول المجاورة … مسكون بالتوارق وتراثهم، بنصوص الكوني، ببساطة الحياة والتحرر من إلزامات تتناسل وتخنق، إلزامات تصادر الحرية، تبدد الهوية، تذيب الشخصية … مسكون بالتيندي والتارقي الأصيل والقناوي والفوندو… بتقاسيم علة وبالأياي، بكل تراث الصحراء، تراث السماع، تراث الأصوات المزلزلة، تراث تارقي- هلالي، تراث يمحي المحور وينمحي بـ”الترانس” في فيض الإشراق بالعراء والتجرد.
ينطلق الصوت “أمين… أمين” فيترسم أمامي أمين وأنافي البيداء، وأنا ساقط من حدة الظمأ،وأنا منكسر هش، وأنا متشرد سنشد المأوى، أنا ضائع يفتقد الاتجاه… يترسم أمين مشحون بما يهب أمانا، بما ينسكب إيمانا، يظهر وأنا في بيداء الروح والجسد والقلب، بيداء وأنا بلا وصلة، بلا دليل، بيداء رمل يحفني والفضاء ملتبس وما يمتد متماثل، لا بداية ولا نهاية، وأنا بلا مصباح في ليل حالك، القمر خسف والعفاريت خرجت والأصوات مركبة، ضياع والنبع مطموس.
وأنا هكذا حضر أمين وهو في “السيبر” يحرك الفأرة، مترصدا الواقع متجولا في موقع يقود إلى كندا وكندا اسمها معناه “مكان اللقاء”.
أمين عرفته منذ أن كان صبيا يجوب الحومة، كان منفلتا عن أقرانه، مثيرا لمودة أبناء الحي، يلعب يقود دراجة صبيا كالصبيان، بشعره المنسدل ومحياه البهي، بهدوئه الدال على حكمة جعلته مثيرا للاحترام… ثم توارى عن النظر لأدركه وقد شب، ولما أدركته، أدركت إنسانا حقا ورجلا حقا… أدركته بعقل أكبر من سنه، بحكمة يفتقدها الكبار، بذكاء وانتباه، بقوة شخصيته، بطيبته، بكل ما يفرض على مدركه احترامه، كان بمنطق أبعد عن أقرانه في النوعية والدرجة… أدركته فأدركت فتى علمته الدنيا الكثير، ولكنه لم ينكسر، بل تعالى بما سكن من حلم وإرادة، تعالى وانزاح بعالم منسوج بعنفوان الحياة، “أمين…أمين” ينطلق صوت المبتهلين، بكل اللغات. أمين نداء أمل ورجاء، ونداء الأمل نداء الحياة والنداء إرادة، أمين يتجلى بحمولة دالة… في أمين أمان، يشع بإنسانية تنسكب فتنسج البهاء ويشع بما يمد الباطن ريا يطفئ الظمأ أمين هو الوفاء والصدق والشهامة والنبل، ذلك ما يقول الاسم، وذلك ما يحل بحلول آمين.
أمين بصوت بالي هوري في الصحراء، هو دليل في القفار، هو ضوء في الظلام، هو أنيس في الوحشة، هو دفء في البرد، هو تلطيف في الحر، هو مسكن للألم، هو فاتح في الغلق، هو رفيق في الطريق، هو أهل الأمانة، هو أمين الذي أدركت، فأدركت فيه وبه بعض السلوك ووجدت عنده ما يرفع بعض البلوى وبعض المراكم للغلق، كأن أمين الطفل دوما وحتى ليلا في الشارع كانت الحومة كلها داره، لم يكن يفزع، كان مثال المقتحم المغامر، كان يقتحم ليدرك بنفسه، كان لا يتراجع، كان يقتحم برغبة فريدة في المعرفة، رغبة في الاكتشاف… رغبة احتفظ بها وهو يكبر حتى أصبح ماهرا في لغة العصر، في الدراية بالحاسوب والسباحة بمواقع “النات”… رغبة قادته نحو الموسيقى فعشق موسيقى غربية كاسرة لنمطية ما يسود عندنا، والموسيقى هي انتصار الحي بنبضات الجمال، موسيقى متحاورة مع كل الثقافات، مرتفعة نحو الإنساني، وسكنته القيتارة، هذه الآلة التي تنطق أوتارها بما يحول اللوعة إلى نشوة، ما يحول الحزن إلى توهج باحتفال يمنح للحياة طعما… كنت ساقطا، كان المدى مرايا، كانت المرايا مرايا خيانه.
كنت ساقطا وكانت الذاكرة تجلاني، تعيدني إلى أيام كنت في التاسعة أو نحوها، كنت ملتاحا، قررب الهرب من البيت، حاولت ولم أفل

المزيد


التالي