استعذبت كتابة الرواية، والشعر عملية مؤلمة
صدرت للشاعر اللبناني الشهير أوائل 2008 عن رياض الريس رواية بعنوان "وصية هابيل"، دخل بها إلى دروب السرد العذبة، وعن هذه التجربة الجديدة كان معظم الحوار الذي تحدث فيه عن هابيل ووصيته
وعن الرواية التي استعذب كتابتها وعن الشعر الذي يراه عملية مؤلمة وعن الترجمة التي تتطلب الأمانة رغم كونها فعل كتابي قبل كل شيء وعن أمور أخرى كثيرة نكتشفها بفائض المتعة.
حاورته: نوّارة لحرش
وصية هابيل" عملك الروائي الأول، كيف لهابيل (الذات-الأنا) أن يوصي، وبماذا أوصى تحديداً؟ وهل وصيته في أوانها أو متأخرة بكذا جرح وكذا خيبة وكذا حلم وكذا حياة؟
أعترف لكِ بأنني كتبت القسم الغالب من الرواية أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف العام 2006: فهل يمكن اعتبارها الرسالة المكتوبة تحت وقع القنابل، والوصية قبل الموت
المهدد؟.
تعرفين طبعاً أن هابيل لم يخلف رسالة، ولا وصية، حسب الكتب المقدسة، بل لم تحفظ لنا هذه أي قول له، ما هو مدعاة للتساؤل، بل للاستغراب. هذا ما أصوغه في سؤال بسيط، افتراضي وقابل للسرد الروائي:
ماذا لو قال؟ ما كان له أن يقول؟ لمَ لم يقل؟ لمَ لم يبلغنا كلامه؟ ألا يكون كلامه هو عينه صمته؟ لماذا انقاد إلى الصمت، إلى السكوت أو إلى كبت ما كان له أن يقول؟..وهي أسئلة يمكن أن يطرحها الروائي
على ولد، أو مراهق، لم يعتد على الكلام إلا في سره، أو في تدوين عباراته بخطه فوق بنطلونه وهو جالس: ما الذي منعه أو لم يشجعه على الكلام، على "التكالم" كما يسميه أحد المتكلمين في الرواية؟
بهذا المعنى لا أستعيد الأسطورة لتفسيرها من جديد، كما سارع البعض إلى القول، وإنما تريد الرواية أن تحقق في صراع أخوين، في رصاصة طائشة بينهما، على أن أحد الأخوين يتلبس بالمعنى النفسي والسلوكي
شخصية هابيل، فيما لا يبالي الثاني بها، ولا بدور قاين.
وما يمكن التنبه إليه في الرواية هو أن الأب هو الذي أطلق الرصاصة على الأرجح، وأنه يكون بذلك هو الذي "قتل" الولد، رمزياً على الأقل، وإن لم يقصد ذلك. يحصل هذا بخلاف قصة القتل عند فرويد،
التي تقول بأن الولد هو الذي يسعى إلى قتل الأب تأكيداً لشخصيته. إذن تكون الرواية، بمعنى من المعاني، قلباً للحكاية حيث يبدو الأب مهدداً لبروز الولد. ألا نكون في ذلك قريبين من أحوال نرى فيها الأجداد
بل الأسلاف يطبقون على جنين الحاضر بأيديهم الغليظة؟
" وصية هابيل"، هل يمكن اعتبارها سيرة ذاتية تفتح سماءها ونوافذها نحو الأعمق دون إغلاق ممكن؟
طبعاً هي تنتسب في بعض موادها الحكائية إلى سيرتي الخاصة، كما تبني في متخيلها السردي سيرة جزئية لكاتب اسمه: شربل داغر. أما أن أجيب بأكثر، فهو ما أتركه لمحققين، الذين يطلبون التثبت من الهوية
الشخصية في الكلمات، في أخبارها.
قد يعني البعض التفتيش في حياتي ابتداء من الرواية، إلا أنني لن أساعدهم في عملهم هذا، لأنني لا أجد لزوماً له من ناحيتي. ما يعنيني هو ما يقوله الكلام نفسه، أي ما يرويه، بعيداً أو بمنأى عن شخصي. أريد
للكلام أن يقنع، أن يجذب، بالمعنى الإنساني والفني، بنفسه.
طبعاً قد يلجأ البعض إلى إجراء مقارنات أو تقاطعات بين الرواية والمعروف من حياتي. وقد يغريهم ما قاله أوسكار وايلد وهو أن الكاتب "يتخفى" في نتاجه، على أنه يتمنى دائماً أن "يتم العثور عليه".
لست من هؤلاء، و إن كان يفيد في التعرف على شخصي. ما يعنيني هو ما يساعد في التعريف عن كتابتي.
يبقى أن أشير إلى أمر، وهو أن هناك طرفاً غير الأخوين في الرواية، وهو "المحقق" الذي تلتبس صفاته بين أن يكون محققاً صحفياً (كما نتكلم عن كتبة التحقيقات الصحفية، أو الريبورتاجات، في الجرائد)
ومحققاً بالمعنى الجنائي للكلمة.
في مقالة لفاروق يوسف عن الرواية قال: "رواية يكتبها شاعر هي في حد ذاتها حدث جمالي"، هل هذا لأن الشاعر يزخر بكم هائل من الشاعرية؟ هل لأنه كائن شفاف بامتياز؟
لا أعرف ما كان الناقد يوسف يقصده من كلامه هذا: أكان يقصدني تحديداً أم أي شاعر؟ أيريد من ذلك الانتباه إلى أن الشعراء قلما يقبلون على السرد، ما يجعل انصرافهم إليه حدثاً قائماً بذاته؟ أم يريد أن يقول
إن الشاعر يقبل على السرد بذاكرة وخبرة متأتيتين من الشعر، فضلاً عن السرد، ما يجمع بالضرورة بين مرجعيتين ما له بالتالي أن يغني التكوين الجمالي للرواية بالمعنى العالي للكلمة؟ أم يريد أن يتناول كتابتي
السردية نفسها حيث أنها تنهل من مصادر جمالية متعددة، مثل السينما والتشكيل والمسرح وغيرها؟
في السياق ذاته ما هي أهم مرتكزاتك الجمالية، وأهم خلفياتك الفكرية والأدبية؟
هذا سؤال كبير لكي أجيب عنه في هذا الحوار. ما يمكنني قوله، وفي ما يخصني في كتابتي، هو أن للنص عندي، أياً كان نوعه، مبنى جمالياً، بقدر ما هو مبنى كتابي، أي أن له أن تتوافر فيه عنايات خاصة ببنائه،
فلا يكون تدويناً وحسب، وأن تظهر فيه معالجات تعنى بشكله خصوصاً. فما ننساه أحياناً، ونظراً للمكانة القديمة والمستمرة للأدب في ثقافتنا، أن النص إنتاج جمالي مثل الصورة أو المعزوفة وغيرها.
أسوق مثالاً بسيطاً ولكن كافياً في دلالته: هناك متكلمون في روايتي لا يفصحون تماماً عن هوياتهم، ما يعنيني منهم هو ما يقولون وما يفعلون، وفي ذلك إغفال لمرجعياتهم وإلى ما يحيلون عليه: ألا يشبه هذا
الصنيع السردي ما يعرفه بعض الفن التشكيلي حين يكون اللون مطلوباً لذاته في بناء اللوحة، لا بوصفه صفة لهذا الشيء أو ذاك؟. وهي خيارات تأليفية وجمالية انتهيت إليها ابتداء مما حصلته دراسياً، بين درس
الأدب ودرس الفن، فضلاً عن عملي الكتابي والفكري هنا وهناك.
ما الذي يجعل شعراً ما عابراً للثقافات والحضارات وربما للذات والجراحات؟
عبور الشعر لهذه الكيانات المذكورة يكفله الاعتراف بهذا الشاعر أو ذاك من عصر إلى آخر، من بلد إلى آخر. وهو اعتراف صعب التحديد، على الرغم من أنه بديهي حين نقع على شعراء مجيدين، مثل
شكسبير الذي إذ نقرأه نخال أننا أمام كاتب معاصر وضع نصه للتو. ففيه عمق بسيط وإعجازي في الحالتين، وهو ما يصعب تفسيره من دون شك، على أنه واقع في النص، لا في "أسرار" عجيبة، وإن
صعب تحديده.لكن هذا العبور مضلل كذلك، إذ أن الشعر يختلف إذ يتجدد حضوره من عصر إلى آخر، من بلد إلى آخر. فمن يضمن لنا أن ما كان يكفل قيمة هذا الشعر، عدا الشهرة المتنقلة والمتجددة، هو
القبول عينه الذي للقارىء أو للناقد من دون تبديل يذكر؟. أعرف أن مثل هذا السؤال هو من أصعب ما يمكن الجواب عنه لأنه يشير إلى خليط كيميائي مدهش من الإبداع والنجاح والتفوق.
إذا كان سارتر يقول الآخر هو الجحيم، فهل من الضروري أن يغوص الشاعر بنصه في جحيم الآخر؟ ألا يكتفي بجحيمه الذاتي؟
كلام سارتر يحكي عن التواصل، بل عن مثالية الكلام عن تواصل موفق بين الأنا والآخر. وهو قول يتحدث عن الصعوبة، ولا ينكر التواصل سبباً لقيام الإنسانية.
ويمكن القول في حالتي، ابتداء من كتابي الشعري: "غيري بصفة كوني"، إنني أطلب التواصل والتفاعل في عالم يتحدث عن القربى والتشابه والشراكة فيما يمعن في التبعيد والقسمة والاختلاف. ذلك أن
خطاب اليوم خطاب غلبة وتأكيد راجف لخطاب الأنا عن نفسها، وفي مسعى لتشويه الآخر، بل لإلغائه الرمزي. ولكي أبقى في نطاق الشعر، أريد التنبيه إلى أن شعرنا ينهل ويصب في أنوية سميتها في أحد كتبي
بـ"الأنوية المتضخمة". وهي أنوية تأخذ من الشاعر-الفحل- سندها البعيد، ومن الشاعر الرؤيوي سندها الإيديولوجي، وهي لا تعدو كونها سعياً لتسيد الشعر، لغلبته الرمزية في ألعاب السلطة والنفوذ، قبل
المعنى نفسه. مثل هذا الشعر لا أطيقه. مثل هذا السعي النفوذي أعتبره مقيتاً بل مميتاً للشعر. ما أريده في القصيدة ومنها هو أن تكون خطاب متكلم، لا ناطقة بلسان نفوذي ما. أريد لهذا المتكلم أن يكون
"متواضعاً"، لا بالمعنى الأخلاقي، وإنما بالمعنى الإنساني والجمالي .
هذا ما جعل بعض قصائدي الأخيرة لا ينبني على متكلم في القصيدة، وإنما على عدة متكلمين، بحيث لا يحتكرها أحدهم، أو لا تصب في منحى واحد. وهو ما يصح في جمالية القصيدة أيضاً حيث أنني لا أكتفي
بتراثها المرجعي الذي طالما احتكمتْ إليه، وإنما أتعامل مع القصيدة تعاملاً يقربها من المسرح كما من التشكيل، ما يوزع ويعدد وينوع أنسابها الجمالية.
هل ننتظر روايات أخرى؟
لا أحسن الجواب عن هذا السؤال، لأنني لم ألتزم، ولا أريد أن ألتزم بأي تعهد من هذا النوع. ما يمكنني قوله هو أنني استعذبت كتابة الرواية، فيما الشعر عملية مؤلمة، حتى أنني أتحاشاها مثل رافع الصخرة يوماً
بعد يوم، التي لا تلبث أن تسقط من جديد ويقدم على رفعها مرة ثانية وثالثة. أيعني هذا أنني سأعود إلى السرد من جديد؟ ربما. هذا ما لي أن أعرفه قبل القارىء بقليل، من دون أي تعهد مسبق.
في الأخير ماذا يوصي هابيل فيك، ماذا يقول، ماذا ينثر؟
يحصل لهابيل بعد وقت، وبواسطة أحدهم، ما كان له أن يقول. أما ما يوصي به فهو القدرة أو الرغبة في التكالم، وهو ما نفتقده بين الحاكم والمحكوم، بين الوالد وولده، وبين بلادنا والضاغطين عليها من هنا
وهناك.
كتبها اليوم الأدبي في 01:15 مساءً ::
