اليوم الأدبي

دفتر في الأدب والفكر

الجمعة,نيسان 18, 2008


5456 

الشعر.. التأسيس وتجاوز ثنائية الشكل والمضمون


كتب الأديب الفرنسي أندري جيد في يومياته الشهيرة، يوما، ما يلي: "  لن أكون رجلا أبدا، بل طفلا شاخ ". لم أجد أفضل من هذه الكلمة في تصدير تأملي في شعرية أدونيس. هذا يعني، بكل بساطة،

أنني أضع هذه الشعرية في أفق الطفولة بما هي انسلاخ عن عالم العادة والتكرار والمألوف السائد المكرر، وبما هي استقصاء لفضاءات المدهش وبكارة المعنى.

أحمد دلباني
إن هذه الشعرية التي شكلت حدثا ثقافيا وفكريا وإبداعيا استثنائيا منذ نصف قرن، ما زالت تثير، إلى اليوم، جدلا واسعا وردود أفعال متباينة حول قيمتها وقيمة اختراقاتها وفتوحاتها ومراجعاتها.
نحاول أن يكون تأملنا هنا احتضانا لهذه التجربة وقراءة حرة للمتن الشعري الأدونيسي لا تستند إلى المسبق النقدي المدرسي الذي يتخم النتاج النقدي العربي، ولا تحاول لجم هدير هذه الشعرية  في محبس الإطار

النظري الجاهز الذي لا يساءل أسسه.
تقوم الرؤية الشعرية عند أدونيس على وعي ثقافي وحضاري شامل يتجاوز إطار النقاش الشكلاني المبتذل الذي حكم الخطاب النقدي العربي منذ بدايات الحداثة الشعرية العربية، وحصر قضية الشعر في مسائل

الوزن والتفعيلة وما شابه – رغم الأهمية النسبية لذلك-، لأن الأدونيسية، وضمن نظرتها الشاملة، لم تحاول التأسيس لشعر" يزين" العالم بقدر ما أرادت أن يكون الشعر إبداعا لعالم خاص في أفق التخييل،

تشف فيه التجربة الإنسانية، التاريخية والحضارية، ويتم فيه تحرير المكبوت التاريخي الهائل، الديني والجنسي والسياسي، ومساءلة الوضع البشري  من منظور لا يركن إلى ما هو سائد ومكرس.
    إن هذه الرؤية الشعرية قامت على كون الشعر، كما تكرس في الثقافة الأوروبية الحديثة تحديدا، ليس تعبيرا عن العالم بقدر ما هو خلق لعالم خاص. " التزام بالكشف لا بالوصف" كما يقول

أدونيس (الثابت والمتحول). من هنا، فالشاعر الحقيقي لا يجد العالم ناجزا أمامه وهو لا "يرث" هذا العالم مثلما لا يرث معنى الأشياء وإنما يخلق العالم ويضيئه برؤياه ، وبالتالي، فمهمة الشاعر ليست

وصف العالم بل ابتكاره في عملية كشف لا تنتهي بما هي اكتناه دائم لمتاهة الوجود. هذا يعني، أن الشعر في عمقه، ومن زاوية ما " تأسيس للكينونة بالقول" كما يشير هيدغر في تعريف أصبح شهيرا وكان

أدونيس من الذين تبنوه في الثقافة العربية الراهنة. الشعر بما هو خلق نبتكر به العالم ونضيء به كهف الكينونة ونواجه به فداحة الوجود ببطولة الإنسان وسأم الآلهة. هذا ما سيسدل الستار على كوميديا "

الشعر " الذي ظل مهرجا يتفنن في" تبرير" و"تزيين" العالم السائد والتنويع على خطاب السلطة والثقافة المهيمنة. إن الشعر الجديد سؤال مطروح أبدا على الذات بوصفها عناقا للعالم وسفرا دائما

إليه، وعلى الكتابة بوصفها ممارسة وتشكيلا يحتضن المعنى. الشعر-التأسيس مقابل الشعر-الوصف، هذا ما يمكن أن يكون تعريفا للحداثة الشعرية كما تمثلها أدونيس استنادا إلى الرافد الثقافي الفرنسي

بخاصة. إنها الشعرية التي احتضنت السر والسؤال وعانقت المدهش وانفتحت على الحاضر والعابر والزائل وهمهمات البشري القصية في الذات، محاولة فك هيروغليفيا الكينونة وتلمس آثار الكوني في الذاتي 

و"اكتشاف الإلهي في اليومي " كما يعبر عزرا باوند. إنها شعرية بودلير ورامبو ومالارمي والسوريالية  وسان جون بيرس. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تأسست الجمالية الجديدة على الوعي الثقافي

والحضاري الجديد الذي يقرأ الوجود الإنساني في أفق الثورة والصيرورة وينظر إلى العالم بوصفه كرة النار الخالدة التي لا تكف عن التحول. كاهن هذه الشعرية الأول هو، بالطبع، هيراقليطس الذي علمنا عدم

قدرتنا على الاستحمام  في النهر ذاته مرتين.          
تتجاوز الشعرية الجديدة، عند أدونيس، حدود الرؤى القديمة المكرسة التي أنتجت مفهوما شكلانيا عن الشعر بوصفه "تعبيرا" عن مضامين وأفكار جاهزة. كأن الشعر فاعلية استعادة لا فاعلية ابتكار أو خلق،

وكأنما هو قول يأخذ به العالم زخرفه الأبهى حتى ولو كان بشعا أو غير إنساني، وليس رؤيا خلاقة ونقدية يتم من خلالها تفكيك " قراءات " العالم السائدة واستنطاقها وإيقاظ مكبوتها في أفق تخييلي-جمالي

تتعانق فيه أعمق الحدوس الفكرية والفنية. من هنا، رأى أدونيس منذ بداياته وضمن عمله التأسيسي في الثقافة العربية، أن الشعر، في جوهره العميق، ليس شكلا في القول وليس مضمونا أيضا وإنما هو ذلك الكل

وتلك الوحدة العميقة شكل-مضمون. لماذا؟ يجيب أدونيس بأن الثقافة التقليدية وحدها هي التي تفصل بين " الشكل" و" المضمون" فصلا تعسفيا وترسخهما كمقولتين نقديتين، وهذا بغية الهيمنة، باسم

مفهوم محدد عن الشعر، على نظام المعنى والحقيقة السائد والمكرس. تعلم الثقافة التقليدية أن المعنى موجود مسبقا وهو سابق على التجربة وسابق على الفرد المفكر أوالشاعر. هذا يعني أن عمل الشاعر،

بالتالي، لا يتجاوز قول المضامين " المطروحة في السوق" أو تلك التي لا تخلخل نظام المعنى الذي تحرسه السلطة ويمثل إيديولوجيتها في تبرير الهيمنة. يبقى على الشاعر، بالتالي، أن يعرض لما هو

معروف وشائع في "شكل" رائق هو ما اصطلح عليه باسم الفن. يتفق النقد التقليدي القديم والنقد الإيديولوجي الحديث في هذه القضية، أي في اعتبار الشكل أمرا ثانويا أو قشرة سطحية لما هو أهم: اللب

الصلب. وبالتالي، على الشعر أن يكون شعر " قضية" كما يعبر الثوريون العرب، قاصدين بذلك الحديث عن " الثورة " بما هي مفهوم سائد لا دخل للشاعر في ابتكاره أو في معاناته كيانيا. يرفض

أدونيس هذه المحددات الثقافية القديمة والإيديولوجية الحديثة التي كرستها السلطة الثقافية في الماضي والحاضر، ويكشف عن تهافتها وابتعادها عن جوهر الشعر بوصفه طاقة إنسانية خلاقة لا تخضع للمعيار النقدي

الإيديولوجي المشار إليه. إن التأكيد على الفصل بين ما سمي "الشكل" وما سمي "المضمون"، بحسب أدونيس، يجد تفسيره في بنية الثقافة العربية السائدة، ماضيا وحاضرا، بوصفها ثقافة تقوم على

المرجعية المعيارية وقبلية المعنى وتخشى من انفلات طاقات الفرد في النقد والمراجعة أوالمساءلة، ما قد يشكل، فعلا، تشكيكا في أسس المعنى المكرس الذي يمثل  وجه السلطة الإيديولوجي. قامت الثقافة القديمة

على مرجعية النص الديني وعلى المعنى الذي يكرسه ومن هنا ظل الشعر العربي، في عمومه، اتباعيا يخضع للمعيار ويلتزم بعدم تخطي حدود "المضمون" المتعالي. وقامت الثقافة الإيديولوجية الحديثة، في

جانبها الثوري، على مرجعية نصية علمانية تلزم الشاعر بعدم تخطي حدودها. بكلمة، إن هذا الفصل بين الشكل والمضمون يجد تفسيره، بحسب أدونيس، في " غلبة الثقافة ذات المضمون الإيديولوجي" كما

يعبر ( الصوفية والسوريالية)، وهي الثقافة التي تريد السيطرة بواسطة مراقبة ما يقوله الشاعر، ما يضمر رغبة مستترة في الاتهام والإدانة تذكرنا بعمل المستتيب القديم.
    إن الشعر الحديث، الجدير فعلا بهذه التسمية، يناهض هذه التحديدات ويقدم نفسه بوصفه كلا  رؤيويا وهذا ضمن فلسفة خاصة تنظر إلى الأثر الإبداعي على أنه، أساسا، شكل أي تجسيد لطريقة خاصة في

النظر إلى الأشياء وفي الانوجاد في العالم، " فمن خصائص الشعر أن يعرض ذاته في شكل ما، أن ينظم العالم، فيما يعبر عنه "، وهذا ما يعني أن القصيدة الجديدة ليست " شكلا من أشكال التعبير وحسب،

وإنما هي كذلك شكل من أشكال الوجود ".
 الإبداع، بالتالي، هو جوهريا شكل، بمعنى أنه فاعلية إبداعية في قول العالم  وعمل دائم في محاولة إعطاء صوت لهيولى الداخل وسديم التجربة الذاتية-التاريخية-الحضارية. هذا ما يؤكده أدونيس بقوله:

" ليس الشكل، إذن، مبدأ خارجيا للوحدة يجيء من خارج ليشكل المحسوس. إنه، على العكس، في داخل المحسوس، وليس شيئا آخر إلا الطريقة التي يتجلى بها هذا المحسوس للإدراك ". الشكل، بهذا

المعنى، لا يمكن أن يكون جاهزا أو سابقا على تجربة الشاعر، وإنما هو " نفس القصيدة " أي نبض حضورها المتميز بوصفها خلقا، وهو يولد لحظة ميلاد القصيدة، محايثا للتجربة الكيانية التي يعانيها

الشاعر. هذا في فلسفة الإبداع الحديثة، أما في الفن الشعري التقليدي الذي يمثل استمرارا للحساسيات والقيم الجمالية التقليدية الاتباعية، فيتم التأكيد على أسبقية الشكل واسقلاليته عن تجربة المبدع ليصبح وعاء

جاهزا تصب فيه الأفكار العامة والقيم المشتركة ويتم، من خلاله، إطالة أمد إيديولوجية السلطة وقيمها من خلال الذائقة السائدة والمكرسة ورؤية العالم التي تؤكد على أسبقية المعنى على التجربة الفكرية والإبداعية.

إن " ممارسة الشكل الموروث "، بالتالي، " تهدف إلى المصالحة العاطفية والعقلية مع الواقع " أي الواقع الذي يكرس الاغتراب كما يرى أدونيس.      
إعطاء الشكل لما لا شكل له، هذا هو جوهر الفن. الشكل، بهذا المعنى، هو ذاته مضمون رؤيوي بما هو اعتقال لما يتوثب في ليل الذات والعالم وبما هو استراق السمع إلى دبيب العالم والتاريخ والحضارة بمعزل

عن المسبقات والقراءات السائدة المكرسة مؤسسيا. أحسن ما يمكن أن يوضح هذا كلمة لأدونيس نفسه في الحديث عن التصوف العربي- الإسلامي  بوصفه " غيبوبة عن العالم-الاصطلاح " (الثابت

والمتحول). الفن، بوصفه شكلا كما بيناه آنفا، غيبوبة عن العالم المصطلح عليه، وانسلاخ من قراءات العالم السائدة بوصفها شكلا في استقبال العالم وتمثله والتعامل معه. يتجاوز الشعر-التأسيس قبول العالم

ويرفض تحنيطه في الجاهز والمعطى، مفسحا المجال أمام مغامرة السفر إلى الأقاصي حيث يأخذ الكلام همهمة الفجر الأول، وحيث تتدلى أغصان الغبطة من شجر الجسد وتتفجر شلالات الطفولة دافقة دافقة.

الشعر هنا كالحب عناق  وصبوات ودخول في العتمة-عتمة الوجود والحياة، وابتكار لا يتوقف للولادة على أرض  المعنى البكر.
إن الشكل، بالتالي، في الشعرية الحديثة، يتجاوز الطرحين، القديم-الماضوي  والمعاصر- الإيديولوجي، بتجاوز ثنائية " الشكل والمضمون " الزائفة،  لتحل محلها رؤية تنظر إلى المسألة من زاوية نظر

جديدة قادرة على تحرير النقد من ارتهانه للإيديولوجية وعتق الشعر من تبعيته للفكر السائد والمعمم. " فليس الشكل الشعري تركيبا لفظيا، وليس لعبا: إنه شكل الحمم التي يقذفها بركان التجربة. أو

لنقل: ليس لباسا للتجربة أو إناء، وإنما هو جسدها وصورتها " يقول أدونيس موضحا. لا يعود الشعر، بالتالي، تنويعا على ما هو معروف بل كشفا وابتكارا لأشكال حضور في العالم، حيث تعود الذات

المبدعة من رحلتها في متاهة الوجود وقد أعطت شكلا لما عانته وخبرته بلغة بكر تقف بهية كشرارة ضوء وتنتصب فارعة على أنقاض مومياء الكلام الرسمي الإيديولوجي المكرس بوصفه الحقيقة. الشكل،

بكلمة – ونحن نستخدم هنا اصطلاحات أرسطية -  هو وجود الأثر الفني بالفعل في مقابل وجوده بالقوة كاحتمال في هيولى العالم وسديمه، حيث سكون اللامعنى النهائي. "  الشكل هو المعنى "

يقول أدونيس.

للموضوع إحالات