اليوم الأدبي

دفتر في الأدب والفكر

الخميس,نيسان 17, 2008


 7154

 

سعدي صبّاح

في صباح غمغمت فيه الزّهور، أيقظتني مكاكي البكور وهي تطرز أغنيتها على هفهفات النسمات المنعشة المنبعثة من وراء شويحات بريّة قد نجت من ليالي الصقيع العاتية، البلابل تتنقل بين الأعشاب البليلة تعبث بخصلات بازغة تغازل النوّاوير.. ترشُفُ نُطفها وطراوتها..تعصُرها خمرا مُعتّقا يُسكر الصادي والغادي! النفل الخضل يترنح جذلان بمناكب بيوت الطين..الرّابضة على حواشي التلّة الزاهية الموشحة بوشاح سندسي أتى به آيار، عصفورات جميلات بنبرات خافتة تتهادى على المعالف لتجني لمجة الصّباح! الزّرازير تتعانق على أعواد الشبرق المتململة وقد أسكرها الربيع! أسراب القطا تعبر سماء البيت الكبير تُناشد لؤلؤ دخّره الخريف،صغار الحساسين ترسل أصواتها الشّجيّة مُرمّضة بقايا الزمهرير..صفّرت الشحارير ومغمغت أفراخ الحجل وقد أسكرها الربيع! وأنتَ يا ربيعُ جنب الدواور تُداعبك النسمات تملأ رئتيك فترقُصُ رقص السكارى ليلة القرّ الشديد!تُحدق مشدوها ونشوة غامرة تقطنك، ضفائر الجوناء تُنعش نفسك مُهونة عليها كمد المدينة، وقد حباك الربيع من قطرات زهره المُخدّر يا ربيع! فهشّت نفسك لربيع أشاع البسمة على الشفاه... وعُدتَ عودة الضّمآن إلى حرشة الرّميّة التي تيّمتك قبل أن تبتلعَك المدينة وتذوب في الزحام!تدغدغك الذكرى فتنصاعُ إلى ذلك القبو مُعلنا سفرية الربيع! مُتأمّلا رقطاء تتبرّم ببنات جنسها،تبني حياتها بحُضن تيسٍ قد نجني من وراء نزوته سجاجا سائغا أشهى من دبس النخيل!لويتَ إلى مأوى حُوّلت إحدى زواياه إلى مرابط للسّخال، ووقعت عيناك على ثُبّان جلديّ مُهترئ سلَبتهُ خراطيشه الميّتة،وانتشلت جرابا تآكلت أطرافه وكرابيل عفّرها الهباء! وامتطيت هيكلا خدّره الربيع غارقا في خمره حد الثمالة! واتّجهتَ صوب التلال يا ربيع علّكَ تظفرُ بقطاة أو حجلة تصنع بها نكهة النهار بمراتع تناسلت بمرابعها أعشاب وحدتك! وجعلتَ دربََك على بساط المروج بربيع عنده الكائنات سواسية،في عالم التيه والعربدة! ورحلت نفسك قبل الرّحيل يشدُّك الحنين إلى دأبك، تمشي الهوينَةََََََ بين سهول تزخر بالمآثر! بلجّتها ركبيّة شهباء جسيمة تلوّحُ بذيلها، تُفرزُ رغاوي بلون الوَرسِ يا ربيع !وقد أوبأها الربيع! ومشيتَ أمداً قصيرا تاهما إيّاها بجنّ الأراخي! فإذا بنهدٍ أحماري يحدث زوبعة تُغشّي الأديم! يوثب كالعفريت وهي راضخة جالدةً لسلطان الربيع! وهُناك شقراء شردت على الشياه عُنوةً في شتاء نام فيه العشب تحت المراعي! والأسحمُ المُهانُ حوّل النعيق إلى غناء مُحاولا جلب أنثاه! وهي تبسط عنقها ضمآى لخمر الربيع، ويهمس لك الربيع في النجوى: "إنّ هذه القطرات التي أمنحُها إلى الورى ليس عبثا يا ربيع وإنما لطرد العقم والمنيّة!"، واستفقتَ فإذا الفراشات مُتعانقات..غافيات تحت الأريج فثارت ثائرتُك لكائنات قد خدّرها الربيع! ورقَوتَ المَرْقَبِ مُتسائلا: "كيف رحل الرّعاة والعشب يغطّي السّهولَ"، وتطلق العنان لعينيكَ لترى اللقالق تكفّن حقول القمح في رحلة البحث على الكمأة ثمّ لا تلبث أن تتوارى مُثنى مُثنى مُلبّية نداء الربيع! كآكئ تجثُمُ جنب المناهل لإلتماس قوتها من الوحل! ثم تعود إلى البريّة في شغف سابلةً أجنحتها ككل حيّ وتلعب لعبة الربيع! ورحلَتْ عيناكَ ثانية في اتجاه الشمال.. سابحةً عابثةً وقد لاحت لك خيمة تميل في السّراب محفوفة بالنّبق والقنادل فنَزَلتَ وئيداً تجُرّ خُطاكَ.. لا حركة ولا كلب يهزّ ذيله ويقتل الصمت المريب! فانتابكَ شعور غريب تملّككَ الخوفُ.. ارتعدت فرائسُكَ وانقبض قلبُكَ مذهولا شارد الذّهن بين الحقيقة والخيال!فانتشَلَكَ طائر النخوة من المعضلة وجلجلتَ بما جادت به حُنجُرتُكَ:" يا الجابري..يا الجابري..فانْفَلَقَ القمر بقُلالة فضيّة وحيدا باهتا يُعاني جليد الغربة..وسرى صوتٌ بمثل الحفيف:"لا مكانة للجابري يا غريب! " ،هدّأ من روعِكَ...تلاشت دهشَتُكَ يا ربيع واندثرت كسبائخ الثلج أمام خيوط الشمس! وغمغمتَ وغُصّةٌ تصعدُ إلى حلقِكَ:"أنا تائه أبحث عن مضارب الطير!" فردّ القمر من رحم السّواد: "رحلت العصافير ورحل القطا والحجل"، وهشّ إليكَ قمَرٌ قد هبّه الرّبيع ولوداعَتِكَ دعاكَ إلى قهوةٍ على نار الحرمل! فاندهَشْتَ كطفل وجدَ أنفس اللعب! فباركتَ دعوةً وذلك ضربا من المغامرة! أدخَلَكَ القمرُ.. أجلسَكَ جنب حيال من الشعر.. استبدَّ بكَ القمر يا ربيع.. ناوَلَتْكَ أنامله المُخضّبة بلون الشفق فنجان الصّباح!.. فتجلّت لك حبّات البرد المُشتّية في عزّ الربيع وهو من حولك مُضيئاً يتودّد خجولا مُغتسلا بخمرة الربيع!مُذكّركَ بسوق القرية الذي أباحَ له لحظات العمر الفاني! ومارسَ عليك الرّبيع ساديته ككل كائن على البسيطة..بعد أن صرفتَ جُلّ عمرك في المدينة الصّاخبة تلعن الشقروات الفاتنات.. ولم تكُن تحلُمُ بلحظات المتعة تحت خيمة هجرتها الملائكة بأمر من الرّبيع!لقد وقعتَ بحمى قمر أسطوريّّّّّّّّّّّّ وهّبكَ مرجَلاً من التمر الملهوج سافراً..وسافَرْتَ بهوائه تُدثّرُكَ أجنحة القفطان.. وأنتَ سكران بخمر الربيع وارتجَلتَ هذه الأبيات عربون إعجاب بقمر الرّبيع:

" قد أتى بيَّ الرّبيعُ

تائهاً في البرّ أسعى

كُنتُ أنوي قنص طير

هائم في السّهل يرعى

فحباني العُشبُ قمرا

ودعاني لما أُدعى

هدهَدَ النُّورُ سمائي 

بمراحٍ كان مسعى

هكذا قال الرّبيعُ

يُدفنُ الجدّ ويُنعى"

وعلى أعقاب هذه الدعابة المرتَجلة ارتخت أوصال القمر.. شاطَرتَهُ فنجانه يا ربيع وشاطركُما الشيطان!.. ودخَلْتَ عوالم مارقة قد قرأت عنها في حكاية شهرزاد..وسافرتَ والصّغار في هُجوعهم يُطاردون فراشات راشفات ثاملات من خمرة الرّبيع وقد صنعوها بأحلامهم الغضّة بعد أن داهمتهم قطرات الرّبيع! وعُدتً لتوّكً إلى الحياة سالما يا ربيع وقد أفزَعَكَ بثرورٌ خلتَهُ ثُعبانَ أرقَطَ يخمُدُ أنفاسَهُ على الثرى وقد أماتَهُ الرّبيع! وتسللتَ مُدبراً ويدكَ على مخضبكَ مالغاً بين القنادل مُردّدا بداخلك: "لقد أسكَرَنا الرّبيع بخمره وما نحن بسكارى وغرّنا ككل الكائنات... فاشهدي أيّّّّّتها الخيمة لأنّي بريء ككل أَنَمٍ قد أسكرهُ الرّبيعُ..."