اليوم الأدبي

دفتر في الأدب والفكر

الجمعة,نيسان 11, 2008


 

72112 

الخير شوار

لوحة بيكاسو الخالدة "غارنيكا"، المستوحاة من مأساة اسبانيا في حربها الأهلية ثلاثينيات القرن الماضي، لم يبدعها بابلو (بيكاسو) لوحده، بل شارك فيها الجنرال فرانكو وجيوشه، بصناعة تلك المأساة الإنسانية التي لولاها لما جاءت تلك اللوحة، فمن قال أن أباطرة الحرب أناس غير مبدعين، وتراهم يطلقون عناوين روائية وشعرية ساحرة على معاركم التي لا تنتهي، والتي يكتبون من خلالها كتب أمجادهم بدماء الأطفال وعظام المسكين من الناس، فمن "النسر النبيل" إلى "التمساح الوفي"، مرورا بـ"السلحفاة الفسفورية"، و"الدبابة الحنون" تبدأ ملاحمهم، وتنتهي أحلام الشعراء والمثاليين في رؤية عالم بلا حرب ولا حقد ولا كراهية.

وللحروب مؤرخون يجملونها، ويعلمونها للأجيال، ويسوقونها بتعليب إنساني، ولها ملكات جمال التي لا تنعي الدبابات والقاذفات ولا الطائرات الحربية، بل ملكات جمال الحروب هن من لحم ودم، وهن فتيات في النهاية فتكت بهن تلك المعارك وألغامها، ومن أطرف المسابقات في هذا السياق ما تنظّم في دولة أنغولا الأفريقية التي أنهكتها الحروب الطويلة، فأنغولا التي استقلت عن البرتغال منتصف سبعينيات القران الماضي دخلت في حرب أهلية مدمرة لم تنته إلا مع مطلع الألفية الجديدة كانت حصيلتها مليون ونصف مليون قتيل وألغام لا تحصى ولا تعد، زرعت في أرضها، وأكلت سيقان الناس بما في ذلك الفتيات الجميلات بلا رحمة ولا شفقة، واليوم والأنغوليون ما زالوا يتجرعون ثمار تلك الحرب الذاتية، جاءت فكرة يبدو مجنونة تتمثل في تنظيم مسابقة لـ"ملكة جمال الألغام الأرضية"، وتتنافس على ذلك اللقب ثلاث فتيان فقدن سيقانهن وسط تلك الألغام المزروعة في أحشاء الأرض، والفتيات فيلومينا وأنيتا وماريا اللواتي شوهت الحرب أجسادهن الغضة تتنافسن على عرض ملكة جمال الألغام كنوع من التحدي لمبدعي الحروب العدمية، حتى تستمر الحياة، مثلما استمرت عندنا أكثر من أربعين سنة والأرض مزروعة ألغاما عد شال وموريس وما بينهما وخارطتها عن من زرعها ولم يسلمها إلا بعد أن "أتت أكلها كاملة"، فالحروب مستمرة وأباطرتها يبدعون فيها باستمرار رغم أنف المثاليين ودعاة السلام، والحياة بالمقبل مستمرة رغم كيد مبدعي الحرب الذي يبحثون عن النهاية تلك التي تبدو بعيدة، ويبقى الجدل مستمرا بين الحياة ونقيضها.