تمفصلات النص الحكائية
نحتاج في هذا المقام إلى تأكيد معطى أو ما يشبه المعطى لا نمل من تكراره وتأكيده... معطى يرتبط بالعلاقة بين المفهوم والنص الإبداعي... المفهوم كأداة إجرائية في خصبها ومرونتها لأن تمد النص الإبداعي بأشعتها الكفيلة بإضاءة جوانبه المضمرة أو الخفية والنص الإبداعي ومنه الرواية على وجه الخصوص في قابليته لأن يقرأ على أكثر من صعيد بحسب تعدد مستويات القراءة...
قلولي بن ساعد
نقول ذلك ونحن بصدد مطاردة المعنى وترويضه، وبالتالي ملامسة الحدود القصوى لإبداعية النص الروائي في رواية "وحده يعلم" للروائية الجزائرية عايدة خلدون، ورد كل ذلك إلى العناصر النصية التي ساهمت في إنتاجه كدوال لها مدلولات على ضوء معطيات التحليل السيميائي من خلال رصد كيفية تمفصل جميع الحكايات التي تؤلف مجتمعة الحكاية- الإطار، أي حكاية الساردة "سطورة" ووالدها وخثر وعمها البشير والد خثر وطرطوزة العطار ودوجة وحنان إبنة الدرويش ماركس ووالدتها البربرية والقاضي حميمد وغير ذلك من "الفواعل السردية" بالمعنى السيميائي للكلمة، ومن ثم الإشارة إلى تغير الأنظمة و"الأدوار العاملية " Actenciel - Role " بتعبير جوليان غريماس ذلك أن هذه الحكاية- الإطار كانت تعني في الرواية سرد إحدى المراحل المعاشة أو المتخيلة من قبل الساردة وهي "المضمون أو سلسلة الأفعال والأحداث بالإضافة إلى ما يسمى الموجودات أي الشخوص والإطار"، وهنا وجب التمييز بين الحكاية كإطار للقص والخطاب ذلك أن " الخطاب يعني الوسيلة التعبيرية التي يتم بها نقل المضمون إلى الآخرين أو بعبارة أخرى فالحكاية هي - لماذا؟ والخطاب هو كيف؟ " "2" ومعنى هذا فإن كل حكاية في هذه الرواية أو قصة مسرودة تشكل نوعا من الإخراج المسرحي الوجودي لأحد أقوال " سطورة " باعتبارها ساردةومسرود عنها في الآن ذاته، أو راو ممثل داخل الحكي ينتقل عبر الأزمنة والأمكنة ويلجأ إلى التدخل في سيرورة الأحداث ببعض التعاليق والتأملات ولهذا فالراوية أو الساردة " سطورة " تشكلان رفقة ابن عمها "خثر" الفاعلين الأساسيين عبر الفضاء النصي للرواية، فهما اللذان يؤمنان لهذه الحكاية أرضية سردية محسوسة لا تمتلكها بقية " الفواعل السردية "بالمعنى السيميائي للكلمة حتى لو استعرنا قاعدة التحليل البنيوي منذ فلاديمير بروب وإلى يومنا هذا على اعتبار أن فلاديمير بروب حين أراد تحليل الحكايات العجيبة من وجهة نظر بنيوية نبه إلى أن " الحكاية ليست دائما بسيطة بل تحتوي على متتاليات حكائية وأنماط متعددة تتشابك فيها هذه المتتاليات"، ومن هنا " فالمتتاليات الحكائية " في هذا النص الروائي تقوم إلى حد كبير بالوظيفة نفسها التي يقوم بها كل خطاب سردي، وهي الوظيفة المتمثلة في تنظيم معطيات الفعالية السردية من أجل فرض مبرر وجودها الفني وهي التي تشكل أيضا بمفردها وحدة سردية مستقلة ذاتيا وفي الوقت ذاته تؤطروتحيط بجميع الوحدات السردية الأخرى عن طريق عرضها في صورة مدونات سردية جزئية إذن الأمر يتعلق بهيمنة الساردة - " سطورة " وابن عمها " خثر " على البنية السطحية للسرد باعتبارهما فاعلين أساسيين في مقابل بقية " الفواعل السردية المساعدة والد سطورة القاضي حميمد الأمير دوجة حنان ابنة الدرويش ماركس البشير والد خثر وهكذا فقد أوكلت الساردة سطورة لنفسها باعتبارها راو ممثل داخل الحكي عدة " أدوار عاملية " إذا استخدمنا المفهوم السيميائي لغريماس فهي أولا تظهر على هيئة " أنا خارج نصية " باعتبارها ساردة أو راوية ثم داخل نصية، باعتبارها مسرود عنها أو ممثل داخل الحكي منخرطة ومتواجدة عبر كافة مستويات الفضاء الروائي دون أن نهمل بالطبع " الأدوار العاملية الأخرى لبعض " الفواعل السردية " على أساس أنها فواعل وإن كانت أدوارها محدودة إلا أنه لها ما يبرر وجودها السردي عبر فضاء الرواية مثل البشير والد خثر ووالد سطورةوالأميرودوجة وحنان ابنة الدرويش ماركس ووالدة سطورة والقاضي حميمد الذي لم يتعدى وجوده إلا كعلامة سردية واصلة سرعان ما تختفي بانقضاء الحديث عن أعراس القرية: " دار القاضي أكبروأجمل دار في القرية.. البنادير تدوي في السماء.. تمزق سكون الليل.. القصبة بح صوتها.. غدت شجية.. عذبة.. حزينة تترنم مع الأنغام بغناء جميل.. ما نحصد ما نزرع ما نبيع الصارمية.. نبيع عودي لزرق في جاه النايلية" ليعاود الظهور مرة أخرى ليس كحدث مروي ولكن كصورة أو " ممثل حامل لدور " عاملي " يحدد وضعية داخل البرنامج السردي ولدور تيمي يحدد انتماءه إلى مسار صوري" وهكذا يتم التأكيد على هيمنة " الوحدة العاملية" unite actenciel " أي " العامل – السارد" في مقابل العوامل المساعدة المذكورة آنفا والمشار إليهم عن طريق ضمير الغائب من منظور نحوي يقابل ما يسميه الدكتور رشيد بن مالك " الفواعل التركيبية المسجلة داخل البرنامج السردي ببعض الأدوار العاملية المحددة بوضعية ما داخل السلسلة المنطقية للسرد"، ولكي نميز بشكل أفضل كيف أن رواية " وحده يعلم " تساعدنا على الفهم الأكثر دقة وصحة لتمفصل جميع الحكايات أو " المتتاليات الحكائية " بتعبير فلاديمير بروب التي تؤلف مجتمعة الحكاية- الإطار كما أشرنا آنفا فإنه يكفي أن نوضح المضامين الحقيقية للتشكيل المفرداتي أو المعجم اللغوي لعدد من الفواعل السردية تنتظم وتتشكل حسب الدور العاملي لكل ممثل على حدة الممثل الأول: العطار طرطوزة: " أشربوا من البحر وأنا كفيل بمعالجة الملح في بطونكم... أنا العطار"
الممثل الثاني: القاضي حميمد: " أتركي السكير وستعيشين معي أحسن عيشة الضاية وبن ربيح ستمسي عقودها بين يديك بل الجلفة كلها إن أردت"
الممثل الثالث: والد الساردة: " جئنا نفتح نوميديا ففتحت صدورنا ونعم الفتح المبين"
الممثل الرابع: الأمير: " هذا الجمال معفي من اعتناق أي دين... أكفري ما شئت ... مسموح لك بالردة... فأنت استراحة المحارب"
الممثل الخامس: والدة سطورة: " لقد أصبحت اليوم يا سطورة امرأة تجنبي اللعب مع الذكور ... لا تكلمي خثر ثانية ... لا تجلسي معه وحدكما"
الممثل السادس: حنان بنت الدرويش ماركس: " إلى متى وأنت تمرغين أنوثتك في الطين؟ إعطي جسمك الجميل هذا حقه في الحياة"
ويمكننا أن نطيل في الحديث ونسهب في رصد الملفوظات السردية خاصة تلك التي يخضع فيها السرد لمقتضيات المواد اللغوية الحاملة له أو ما يسميه غريماس المستوى السطحي للسرد ... هذه الوحدات السردية المذكورة دليل واضح يعمل على إبراز آليات اشتغال المعنى وبشكل عام فإن المعجم اللفظي لهذه الوحدات السردية يظل على مستوى التعيين الحرفي أي يظل مفهوما عائما لا يعمل على توليد مجازات حية أو استعارات دالة على تملك الساردة أو تحكمها في البنية الروائية من سرد ووصف ولغة وفضاء وتخييل وغير ذلك أي عناصر التشكيل الروائي مجتمعة، وباستثناء بعض الإشارات المحدودة عن الزمان والمكان ومصادر التأويل والمحاكاة القرآنية والاستثمار الجيد للموروث الشعبي وتوليد بعض المعاني الحافة التي تحيل إليها بواطن معرفة الساردة بأشكال وتمظهرات اللغة على مستوياتها الدلالية والتركيبية وغير ذلك من الصيغ والإستملاكات الجمالية والبنائية الهادفة إلى تأثيث النص الروائي بمختلف أدوات الكتابة الإبداعية الراهنة في تحولاتها الجذرية التي لا تستكين للجاهز والمطلوب ولا تقبل بالتسليم الأعمى المطمئن للتصورات المادية الخارج نصية بل تذهب إلى صنع فراداتها في التجربة الخاصة بما لها من قوة الاستبصار التي لا تختزل تمفصلات الحكي في بنية أحادية ولغوية ودلالية للمعنى وإنما تقاس بتعدد الصيغ والأساليب والرؤى كي تحرر القارئ من ظلال المعاني الإجبارية التي تقرضها عليها بعض السرود الروائية " كمتعاليات نصية " بتعبير جيرار جينيت تتعامل مع القارئ كما لو أنه متلقي سلبي لا يزال في طور التمدرس وعليه فإن ما وقفنا عليه في هذه القراءة المحدودة وإن كان فتح لنا بعض المنافذ على معاني ودلالات متعددة إلا أن الصرامة التقشفية للقراءة السيميائية في صورتها السردية كما صاغ غريماس وكورتيس وتلامذتهما حدودها وأسئلتها وقوانينها المتسمة بالدقة والصرامة أجبرتنا على ترك هذه المنافذ دون النظر إليها من زوايا أخرى أو عبر بوابة أكثر انفتاحا ولتكن مثلا زاوية " سيمياء التأويل " لما لها من قدرة على قراءة النص الإبداعي في أبعاده المختلفة ولذلك قال الناقد جان ستراوبنسكي: " أن النص الإبداعي عبارة عن مادة علائقية تترك نفسها تسكن من خلال فعل القراءة ... أي النص يحرض على احتفال الرغبة ... إنه انطلاق صور وعمل إجباري للفكر والأحلام لا تحده قراءة على الإطلاق"
للمقال إحالات
كتبها اليوم الأدبي في 01:52 مساءً ::
