اليوم الأدبي

دفتر في الأدب والفكر

الأربعاء,نيسان 09, 2008


3205
التجريب في "وحده يعلم"

تزخر الحركة الأدبية في الجزائر بأسماء كبيرة ولاسيما في الرواية التي باتت اللون السائد وذلك بفضل أسماء رائدة شقت طريقها بصلابة وبثقافة ضخمة وتجريب طويل.

خليل حشلاف
أسماء كواسيني الأعرج صاحب الرواية المعروفة "نوار اللوز" والرواية الكبيرة "كتاب الأمير" وهو مثال حي لقدرة هذه الرواية للوصول إلى مصاف العربي والدولي، أو الجيل الجديد الذي أصبح يشاكس

المتن الروائي بمفاهيم جديدة تتنوع بحسب مدارس كتابها، التمس هنا تجربة مفتي البشير التي تثير أسئلة كافكاوية، أو الباروكية في رواية " السمك لا يبالي "لإنعام بيوض" أو تجربة الأسطورة في "حروف

الضباب" للخير شوار أو الواقعية النقدية في "لروكاد" لعيسى شريط.. والقائمة طويلة وفي هذه الورقة أحاول أن استجلي ما أرادت طرحه القاصة عايدة خلدون في أول رواية لها والموسومة ب "وحده

يعلم" وكيف عالجت موضوعه " وضعية المرأة" وعلاقة ذلك بتقنية التجريب التي اعتمدتها وهي التي كان باستطاعتها أن تكتب رواية بالشكل الكلاسيكي ولكنها اختارت هذا اللون، لا اعرف إن كان ذالك

عن قناعة أن هذا الشكل هو " mode " تصبح بسرعة شكلا كلاسيكيا؟ أم أن الموضوعة التي ماتت معالجة جعلتها تهرب من الشكل التقليدي للرواية؟ وأظن أن هذا السبب الأخير كان كافيا لجعلها

تصر على هذا الاختيار فقد سبق وأن عالج الروائي عبد الحميد بن هدوقة ذات الموضوع في الرواية المعروفة " ريح الجنوب " إذن رواية " وحده يعلم" تدخل ضمن مايسميه النقاد الرواية التجريبية

التي من خلالها يكسر الكاتب "الطابو" من حيث الشكل .
ويعود ذلك إلى اعتقاد أصحابها انهم يعالجون المحرمات، وعلى كل فهذه القراءة هي مجرد وجهة نظر استقيتها من التقنيات التي اتكأ عليها هذا النوع من الروايات اثناء البناء بحيث يصبح:
أولا: الفضاء دائم التغير .
ثانيا: اللعب بالزمن "التناقص مثلا" .
ثالثا: الرمزية في الدلالة البلاغية " نفيا للفعل الروائي".
رابعا: التكرار الوظيفي .
خامسا: أسطرة الاحداث او جعلها كالحلم
وهي بهذا الشكل ترصف المشاهد كتقنية سينمائية دون رابط منطقي سوى ما يستنجه القارئ نفسه وقد اشتغل على هذا الشكل الروائي احميدة عياشي في أكثر من رواية وبخاصة في روايته " ذاكرة الجنون

والانتحار " الى درجة ان القارئ يصاب بصدمة التذبذب اثناء القراءة بحيث ان هذا النوع من التجريب الذي لا يعتمد على الفعل الروائي " الابطال في حالة فعل " وتنزاح فيه اللغة التي كتبت بها عايدة هي

لغة القص الواقعي وعلى دالك ننظر الى هذه الجمل التي شغلت الرواية بعين النقد " نقترب أنا وأبي.... ينوء لثقل الحطب واهنا ثقيل الحركة... أبي يلسع قفاه فيزداد الما ويمعن ثقلا... يمعن

ابي سبا ولعنا على سلالة الحمير..." ص5 ومع ذلك كثيرا ما وجدنا تلك الأجواء الأسطورية التي يمتزج فيها الحكم بالأسطورة التي يمتزج فيها الحكم بالأسطورة الشعبية " وضعني ووطن الطين في

السفينة وراح يجرنا على الرمال، التقطت لحية خثر ...امتلات السفينة بالشعراء ...المجاهدين.. الخضارين ...خلا الوطن الا من معاوية وجنده وقابيل وهابيل، وبعث ابنه يزيد مذعورا يهذي يا

شعب المليون ونصف المليون شهيدا... ارجعوا... سنحارب من جديد ونعيد الحسبة ... ارجعوا" ص102 لكن لا يعني ان عايدة الروائية وفقت فيما نسميه خلق توازي الأسطورة مع "الحكاية

الحالية " التي تريد سردها فهي العمود الذي يسند بنائها كما فعل واسيني الأعرج في رائعته " نوار اللوز" إذ كان باهرا في التوفيق بين تغريبة بني هلال وحكاية ابطال كصالح بن عامر الزوفري

........
لان ذلك يحتاج الى ضم الحدود الفاصلة بين الأسطورة الشعبية والحكاية التي يريد سردها دون فهم ان التناقص في التجريب او غيره على انه تناقصا ليس حقيقيا لانه لا يمكن للكاتب ان ينجح في ذلك لا بامتلاك

عمق التجربة، لان تعمق النفس البشرية يحتاج الى اطلاق المشاعر ووصفها او التركيز على ردود فعالها التي تتناقص احيانا كثيرة من موضع الى آخر، بل يعتبر هذا التناقص في جد ذاته تعبيرا على تماسك

الشخصية لاننا نتعامل مع بشر وليس آلات بشرية .
مع ذلك اثمن المغامرة لان هدف الابداع هو التجريب " الخلق على غير قالب "وتجربة "وحده يعلم " لا تمت من نواحي عديدة لمجموعتها القصصية الاولى الموسومة ب "ربيع العجرية ومطر" من

حيث شجاعة خوض المغامرة وذلك يدل على أن عايدة خلدون الروائية خطت خطوة معتبرة على الاقل في اختيارها الشكل المناسب لنزعتها الانوثية المتغلبة على النص الروائي رغم انفلات التركيبة " لان كل

هدم هو بناء بالضرورة".
وارجع ذلك الفلتان الى تدخل عايدة المؤلفة بكل شيء الى حد لملمتها للوقائع السياسية والاجتماعية واحداث تاريخية كالصراع على الخلافة ...الخ في سياق واحد الى درجة ان روايتها أصبحت كالنهر الجاري

"في حالة فيضان" لا يترك شيئا في طريقه وذلك تحت ضغط انفعال إدانة الآخرين او تعريتهم ثم ان ذلك الانفعال تمثل في جمل كاللواّزم التى ظلت تطارد بعض الابطال "خثر الذي اخطأ الثقب وخرج من

الوراء" ص 26 ، كنوع من الغضب الأنثوي الذي لا يخدم النص الروائي، بل يخدم النزعة السعداوية "نسبة الى نوال السعداوي" لان الشكل الروائي الذي يميل الى أسطرة الاحداث " نلفت نظر القارئ

ان بطلة الرواية "سطورة""وكذلك خذلته اللغة الواقعية التي جاءت كجمل قصيرة تعتمد على المسند والمسند اليه، وهو ميراث الحداثة الذي لا يناسب كما قلت سابقا زخم الامتلاء التي تحتاجه رواية تستند الى

التجريب وبمعنى ابسط أضرت الرواية عايدة خلدون روايتها باللغة الجاهزة وإن اتسمت لغتها بالحيوية والسخرية، كما اقرت ذلك الكاتبة المصرية فوزية مهران "على غلاف الرواية" قلت فالجمل المتقطعة من

امثال "تشعل حنان سيجارة... ويبعث الدخان في الفسطاط ...أسبح في مرجة ذخانها.. يمر طيف امي.. يدها ترتعش.. عود الدخان يهتز بين أصابعها.. يهدأ على شفتيها حينا"..

شكلت عائقا تعجيزيا أمامها، اذ نفهم هذه النقط بين الجمل؟ ونورد هذا المثال لا على سبيل الحصر .
كل هذا يعود في اعتقادنا الى عدم الصورة أثناء اسطرة الاحداث لان ذلك ما تحتاجه عايدة خلدون كي لا تنفصم عرى الحدود الفاصلة بين الاسطورة والحكاية التي يراد تبنيها من طرف السارد الحكائي .