
رغم مرور ما يزيد عن نصف قرن عن صدور الطبعة الفرنسية له سنة 1947، فإن القيمة التي يكتسيها كتاب الظاهرة القرآنية لا تفتأ تتزايد سواء من حيث المقاربة الرئيسية التي تناولتها أو من حيث مقاربتها المنهجية. ولا حاجة بنا إلى الإشارة إلى حداثتها وجدواها بالنظر إلى الانشغالات الأساسية للفكر الإسلامي المعاصر بوجه خاص، والفكر الديني والفلسفي عموما.
محمد الطاهير الموساوي
ترجمة: حيدر أنيسة- زدّام سليم
إن كتاب مالك بن نبي الذي سعى فقط إلى محاولة إثبات المصدر الإلهي للقرآن والمتجاوز لحدود الطبيعة، هو في الواقع رفض لكلّ أشكال الاختزالية أيّا كانت مزاعمها. ففي الوقت الذي تنوء الحكمة والسلطات، التي كانت مقدّسة لعصرنة معولمة بطابع امبريالي، تحت هجومات ما بعد الحداثيين، تشهد الإنسانية إحياء مكثفا للسفسطائية وتصعيدا مستمرا للشك والعدمية.
الحداثة ومخلّفاتها
إن العداء الذي كانت تكنّه القوى التي أطلقت ظاهرة الحداثة إزاء التقاليد بكل أشكالها هو السمة الرئيسية التّي ميّزتها، فالتقاليد بوجه عام ارتبطت بالدين، ممّا استدعى شنّ حرب صليبية كاسحة لا تبقي ولا تذر ضدّ الدين والكنيسة، الهيئة الرسمية التي تجسّده، من أجل تنفيذ برنامج العصرنة وتجريد المجتمع والثقافة من التقاليد.
ولئن نحّينا جانبا العوامل المتعدّدة التي ساهمت في تحديد معالم المصير التاريخي والطابع الثقافي لأوروبا في القرن السابع عشر إلى القرن العشرين، فإن العقل والعلم برزا كملكين توأمين متوّجين بالسلطة النهائية التي ينبغي أن ينتسب إليها كل شيء.
فالعقل الذي أضحى يدعو إلى العالمية لمبادئها وضوابطها هو ذاك الذي يدعو إلى مواجهة خصومها ومحاربتهم بضراوة وهم ألدّ العدا: العرف، السلطة، الوجدان ، المثل، الخ. أما العلم، فيجب أن يستقى نموذجه من الفيزياء، كما تصورها فلسفيا ديكارت وصاغها رياضيا نيوتن وفقا لعالمه المستقل بذاته والمكتفي بذاته، والمنتظم انتظام الساعة.
وعليه، لا يمكن تتويج المعتقدات والقيم إلاّ إذا اجتازت بنجاح اختبار العقل والعلم. ليس حقيقة وواقعا إلا ما أمكن تبريره بمعايير العقل وقياسه بمرجعية العلم. أن يكون جميلا، ذاك لا يهم ولا يطرح إشكالا حقيقيا.
إن الإنسانية لجأت في كلّ الأزمان وبفضل تجربتها إلى العقل والعلم لتبرير معتقداتها وقيمها ومواجهة الطبيعة ومختلف فضاءات الوجود، بصرف النظر عن التصور الذي تكون لدى مختلف الحضارات والشعوب عن العقل والعلم.
ما يميّز حقا العقل والعلم في سياق الحداثة الغربية ويعدّ إشكالا لهما في آن هو توجههما العلماني والاختزالي، لذلك، أدى مسار العقلنة، الذي كان الدافع إليه تحرير القيم من كل روح دينية اتهمت بدحر هذه القيم إلى العصر الوسيط، إلى تجريد القيم من قداستها والحياة البشرية من قدسيتها.
إن العلم الذي كانت تحذوه الرغبة الملحة في نزع هالة الخرافة عن الطبيعة ومراقبتها وبلوغ اليقين بمعرفتها، انتهى به الأمر إلى اختزال الطبيعة إلى مجرّد ظاهرة فيزيائية و قرن هذه الأخيرة بمفهوم القياس الكمي يمكن ويجب في نهاية الأمر أن تدخل في كليات ومعادلات رياضية محدّدة.
ومن ثمّ، يتلاشى العقل تدريجيا بمعاييره ومبادئه الأنطولوجية كما حددها منظّرو الحداثة كديكارت، فاسحا المجال لتصور للعقلنة البشرية حيث كانت تقترن اقترانا وثيقا بالعلوم المسماة العلوم الدقيقة. استند تحديد العقل البشري والعقل على " الفكرة الميتافيزيقية التي تقضي أن الحقيقة التي يبلغها العلم هي كلّ الحقيقة".
ما يعني أن البشر " لا يملكون مصدر معرفة آخر ولا وسائل تفكير عقلي غير ذاك". بناء عليه، ظهرت عقيدة أو إيديولوجية العلميّة، كان ضحيتها الأولى العقل العالمي ذاته. علاوة على ذلك، "ألحق العقل البشري بالعلم المعاصر في كل ما يصدر عنه". وترتّب عن ذلك أن أصبحت الفلسفة والمبدأ العقلي "خدما للعلم عوض أن يكونا أساسها العقلاني"
لقد كان ذلك فعلا تطورا حاسما للحداثة نحو اختزالية للمعرفة البشرية وتصور للعالم، وهي اختزالية سعت إلى "تقليص كل شيء إلى مستوى التفسير الفيزيائي". وقد صيغت هذه الفيزيائية فلسفيا ضمن النظرة العلمية المزعومة للعالم، سواء كانت وضعية أو غيرها.
إن الحداثة، باختزالها لعقلنة تميز التصور الهوليستي إلى مجرد تصور فيزيائي للعالم والحقيقة وبتحويلها للعقل إلى مجرد أداة للعلم مقتبسة من الفيزياء، فتحت الباب على مصراعيه أمام النسبية في مختلف مظاهر الفكر والحياة.
قد تكون إحدى العواقب الأكثر إيلاما لهذه التطورات تتمثل في فقدان المعنى الذي طبع كل مظاهر الحياة البشرية، ولم يسلم من هذا التقويض الموضوعات الفيزيائية نفسها التي شكّلت في البداية موضوع الدراسة للعلوم الطبيعية، فلم تعد حقيقة موضوعية.
ثمّ دعّم ذلك وأسند بقواعد فلسفية من خلال النقلة النوعية التي شهدتها العلوم الفيزيائية والطبيعية، ولا سيما الآلية الكميّة التي "حرمت المادة من الصلابة التي ظنّ أنها تمتلكها" كما قوضت بناء "برنامج الفلسفة المعاصرة".
أصبح إذن موضوع المعرفة العلمية على المحكّ، إذ طال الهجوم حتّى فكرة الطبيعة الموضوعية للعام والتي تكون مستقلة عن معرفتنا بهذا العالم". وعليه، "لم تعد المعرفة العلمية تلك المعرفة للأشياء كما هي خارجا في عالم موضوعي، وإنما هي كذلك بالنسبة للملاحظ فقط. فنحن بشكل ما، نرى ما نتوقع رؤيته حسب نماذجنا الذهنية الخاصة بنا"
ما بعد الحداثة والمركز المفقود
في ظل ظروف مثل هذه، أضحى من الطبيعي جدا الحديث عن خسوف العقل ونهايته، وتوديعه أو الإعلان عن نهاية العلم والإعلان طبعا عن نهاية كل شيء، بما فيها الحداثة نفسها.
لقد تفاقم هذا الوضع الذي ليس سوى محصلة منطقية لمقدمات الحداثة نفسها بفعل تيارات ما بعد الحداثة؛ لقد أفادنا العلم بوجود عقلانية ما وبالتالي وجود بنية ما للعالم. أما ما بعد الحداثة، فقد تخلصت على العكس من كل هذا تقريبا.
عندما جرّدت الحداثة الإنسان من تصوراته التقليدية للعالم، فقد فتحت له إمكانيات أخرى قائمة على العقل ومستنيرة بالعلم. وبالتالي، فلم تحرمه تماما من إطار مرجعي وبعض الحقائق المطلقة التي ستؤسّس له ولتجربته. إن هذا الانقلاب ذي صلة بعدد من التصورات عن الحقيقة "تتجاوز في الواقع مجرد النسبية."
فالسمة الرئيسية في الفكر ما بعد الحداثي بأفكاره الجديدة تقضي "بوجود تأويل متواصل للعالم وفقط". وبالتالي، ينبغي ابتكار الحقيقة سواء كانت اجتماعية أو طبيعية أو إعادة بنائها مرارا وتكرارا. فلاشيء يحوز على الحقيقة أو المعنى في ذاته، وأي شيء هو في تغيّر مستديم. أما الحقيقة المطلقة الوحيدة، فهو التدفق الكامل والتغيّر المتواصل.
يعتقد مفكرو ما بعد الحداثة كجان فرانسوا ليوتارد أن السمة الإبستمولوجية "لما بعد الحداثة هي فقدان البنى المفاهيمية السلطوية التي توظّف كركيزة للمعرفة العقلانية".
يتميز هذا التيار لما بعد الحداثة بنسبية مطلقة التي تقضي بأن الحقيقة الموضوعية غير مقبولة ولا وجود لها". وفي هذا النموذج الما بعد الحداثي، لا يكتفى فقط بلفظ كل مركز للحقيقة المتسامية فحسب، بل إن التغير المستديم المتواصل الذي يحلّ محله عديم المركز. ويؤكّد عدد من الفلاسفة ما بعد الحداثيين على أن الإنسانية تعايش اليوم انهيار المقاربات الكبرى ( أي الدين، النظم الفلسفية، الإيديولوجيات،الخ)، والتي كانت في السابق بمثابة دعامة للتجربة والوعي البشريين.
قد يكون ذلك صحيحا وقد ينطبق على التجربة التاريخية ووعي الرجل الغربي (الأورو-أمريكي). لكن أن يعمّ ذلك على كل شعوب وثقافات العالم لا يعكس الحقيقة بالضرورة، رغم محاولات السلطات الغربية التي لا تكلّ لعولمة هذه التجربة وفرض هذا الوعي بكل ما أتيح من وسائل.
ذلك أننا نعلم جيّدا أنّ قسطا وافرا من البشرية على الكرة الأرضية يواصل الحفاظ على نظرته ورؤاه للعالم ومنظومة قيمه، كما يسعى ما أمكنه العيش حسب متطلباتها.
في الواقع، عبّر العديد من الفلاسفة والمفكرين وحتى رجال العلم عن عدم رضاهم عن برنامج العصرنة، وصدرت عنهم انتقادات كبيرة بشأن ميولاتها الاختزالية والمهمّشة واللاإنسانية حتّى قبل أن يعلن الرّسل الذين نصبوا أنفسهم ما بعد حداثيين عن نبوؤاتهم.
ومن ثمّ، فلئن تبنت الحداثة نظرة اختزالية ومادية وعلمانية للعالم، فإنّ ما بعد الحداثة يحثّ على عالم متصدّع تماما، حيث لا وجود لأي نقطة ارتكاز للتجربة والوعي الإنساني. فلم يتعرّض الموضوع إلى التفكّك فحسب، بل إن الفاعل أيضا اضمحل كلّية. وعوض فاعل الحداثة الذي يقتضي طبعا وجود الموضوع، فإن الابتكار يحدث "من فرد يطفو دون معالم أو محاور واضحة".
ضمن دائرة الصراع ما بين الحداثة والأصالة والدين، ترك الإنسان دون قلب ودون روح، ولكن قيل أن العقل وحليفه العلم سيرعيانه. أما الآن، فما يحدث هو أن ما بعد الحداثة هي بصدد قطع رأسه وانتزاع روحه، فلا يبقى سوى جسد دون نفس ودون روح منغمس في مجتمع استهلاكي عدمي.
أعتقد أن الانتقادات الواسعة لبن نبي ضد العقلانية الديكارتية ورفضه القاطع للروح العلمية الصرفة يمكن تقديرها وتصوّرها بشكل أفضل ضمن هذا السياق. إن مالك بن نبي، إذ ينتقد المنهج العقلاني الديكارتي، لا يجعل من إيمان ديكارت أو لاإيمانه إشكاليته، كما قد يوحي به الاعتراض الذي صدر عن الأستاذ دراز في رسالته التوطيئية لهذا الكتاب، متناسيا بذلك جانبا هامّا من حجّة بن نبي.
علاوة على أن بن نبي لا يتطرق لإشكالية العقل والعلم في حدّ ذاتها، بل ما شغل بن نبي أكثر هو التصور الذي نشأ بأنّ العقل والعلم هما متضادّان للدين والوحي. فالحجة التي ضمّنها في كتابه الظاهرة القرآنية وفي كتب أخرى، دعاه إليه وعي شديد لما يمكن أن يطلق عليه نفي الذات في الحداثة والذي شمل تقريبا كل قواعدها الجوهرية كالعقلانية والإنسانية والعلمية.
لا مناص من اعتبار هذا النفي للذات كمحصلة منطقية لنزوع الحداثة أساسا إلى المغالاة في التمجيد. بعبارة أخرى، أدى مثلا التبشير بالعقل والعلم إلى إضفاء المطلق على النظرة العلمية للعالم واعتقاد بالقدرة و السلطة المطلقة للعقل البشري على مراقبة الطبيعة والتاريخ والإجابة عن الأسئلة الجوهرية والغائية التي ما فتأت تسكن النفس البشرية.
ومن الطبيعي ألا ينادى بهذا التمجيد وهذه السلطة المطلقة إلا بإلغاء كل سلطة مفارقة للطبيعة ونفي كل حقيقة متسامية. إن الحداثة، في تصور مالك بن نبي، بإقصائها للسلطة الإلهية ونفيها للحقيقة الميتافيزيقية، سقطت لا محالة في مسار إضفاء المقدّس على كيانات أخرى ومنح المطلق لسلطات أخرى مغايرة.
لكن ما إن يتفطّن إلى أنّ هذه السلطات ذات الشمولية المطلقة وهذه الكيانات المؤلهة ليست قادرة على منح الترياق الموعود، فلا سبيل إلا لفقدان الإيمان بها وفتح الباب لعهد ما بعد الحداثة الذي حاولت الإشارة إلى بعض خطوطه الرئيسة أعلاه.
كتبها اليوم الأدبي في 12:40 مساءً ::
مقال رائع وقد استفدت منه اخي الكريم
تمنيت لو كنت أدرجت مراجع مقالتك كي نستفيد اكثر
بالتوفيق وبارك الله في جهودك
