
عبد الحميد عمران*
الاسكافي
- دق.. دق.. دق.. مذ كان صبيا وهو يستمع لهذه الدقات الرتبية … ويضع كمشة مسامير في فمه … يدق النعال القديمة والجديدة، النعال التي ساحت في الأماكن الفخمة والقذرة وتمددت خطى على جسد البراري والأرصفة نعال ،نعال، نعال… وزاوية في شارع شعبي وفراش في حمام وضيع.. وخبز وبعض الزيتون أو الحليب.. مسامير ومطرقة وأحلام كفنها في مقبرة الصدر مع حبات فرح مبتورة من الطفولة.
- دق.. دق.. دق العالم مطرقة – نعل حذاء – مسامير، العالم دقات سلاسل وفولاذ
- دق.. دق.. دق ..نعال.. لم يعد يفكر ولا يشعر … ولا يتمنى …
- دق.. دق.. دق ..كمشة مسامير في الفم، بلعها ودقها في القلب ليستريح.
الكناس
- أتسخ… يلطخني غبار الأرصفة، عبث المدينة… ذباب تسلل من كوة مفتاح قصر جميل، تعشى من دم صاحبه نكاية فيما أقترفه من سكر بدماء المساكين.. وقشور وبقايا تدل على انتفاخ نكهة مترفة … تخذل قواي المكنسة وتصرخ في الرصيف الذي أكل أسنانها… ويد تعودت على التماوج وأخرى على دفع عربة مملوءة بالزبالة تطوي الأرصفة بتعب الثقل… وفي اليد أجرة ترفض إطعام أفواه اصطكها الجوع وتوفير أحذية لأرجل شقها البؤس وسترة لأجساد نحتها المناخ …
أتوقف فجأة عند منتصف النهار تماما… أمد يدي إلى كيس بلاستيكي معلق على جنب العربة … أخرج لقمة خبز غشني بها بائع… أغرز أسناني تنكسر، يفغر فاهي ألما… أشتم البائع… أخون صداقة العربة … ألتفت ورائي ثائرا … تصفع عيني واجهة زجاجية ممتلئة بالحلي … الشارع خال، وباب المحل مغلق … أأمر المكنسة تحطم الواجهة … أفرغ الكيس من الخبز وأملأه بالحلي وأنطلق كالريح المسعورة … ولكن في النهاية يخونني الأصدقاء : الغبار، الرصيف، العربة، المكنسة والخبز .
يكبلني الحديد، يطحن طمعي … وأعدم في الساحة التي كنت أنظف وجهها من الوسخ منذ أكثر من ثلاثين سنة
محو النهار
-المعلم يشرح درسا في الجغرافيا: - الفصول الأربعة.. ورحت أجري مغتبطا أصطاد العصافير وأتمدد على الحشيش ربيعا.. أبلل جسدي بقطرات ماء الشتاء .وأسكن الغيوم الداكنة . أحزن وتجرح صدري الأوراق الصفراء المتساقطة خريفا.. وأغسل تعبي بماء البحر صيفا.. وفجأة أوقف المعلم شرودي مشيرا جهتي بمسطرته الخشبية : -أيهما أطول شتاء الليل أم النهار ؟ قلت مرتعشا :- النهار طبعا ! قطب غضبه :- كيف ؟ أجبت مضطربا النهار أطول إذ نقوم صباحا . نذهب إلى الكتاب ثم إلى المدرسة ثم نلعب ونعود إلى المدرسة.. ومساء نساعد آبائنا في أعمالهم حتى المغرب حيث يجيء الليل وننام لحظة ليتجلى النهار في المنام!.. صفر المعلم مندهشا كأني اقترفت جريمة.. خلل مسطرته الخشبية في شعر رأسي الطويل . ألا يوجد عندكم مقص ؟.. نكست رأسي مرتجفا.. صحح إجابتي في الشتاء .الليل أطول. فيه تتلألأ النجوم.تساءلت النجوم ؟ وأمسك بيدي الصغيرتين وراح يضربني بعنف بمسطرته الخشبية وأنا أصرخ . أبكي ألما.. وزملائي ينظرون إلي هازئين.. ولما خرجت من المدرسة مساء جمعت أكوام حجارة .
صنعت مقلاعا ورحت أصطاد الشمس حتى سقطت . وتناثرت أجزاؤها مشكلة نقاط متلألئة في السماء عرفت فيما بعد أنها النجوم.. وبذلك محوت النهار بعدما كسرت الشمس إرضاء للمعلم أو خوفا من عصاه !..
مدونة "المتفرد"
كتبها اليوم الأدبي في 10:24 صباحاً ::
