اليوم الأدبي

دفتر في الأدب والفكر

الخميس,آذار 27, 2008


 449

 

الخير شوار

السيد بالومار، تلك النسخة الورقية من الكائن الذي كان يسمى «إيطالو كالفينو»، محظوظ جدا، وسيء الحظ جدا، فهو محظوظ لأنه «يقضي فصل الصيف في مكان تنشد فيه أعداد من الطيور، فيما هو مسترخ  على كرسي هزاز»، في صورة رمانسية حالمة، قد تجعله يسبح بخياله، بعيدا.. بعيدا، ربما أبعد مما يتصوره من لم يعش تلك اللحظة.

لكنه من جهة أخرى فهو سيء الحظ لدرجة كبيرة، فهو إنسان مشكاك، و»يصنع من الحبة قبة»، مثلما تقول أمثالنا، ففي الوقت الذي يقرر فيه  أن يعيش لحظته دون سواها، تسقط سائر اللحظات عليه، على طريقة أحجار الدومينو، وتنهار كل تلك الفلسفة التي أراد أن يطبقها، ويدخل في دوامة من الاسئلة، يخرج منها مفكك التفكير، محاولا دفع نفسه إلى نسيان ما كان يفكر فيه نهائيا، ثم البداية في محاولة جديدة، لعل اللعنة السيزيفية تغادره، لكنها تظل تطارده إلى الأبد قدرا محتوما.

ولأن السيد بالومار من النوع الذي يغرق في «قوبلي» فارغ فقد تاه في قطعة مرج صغيرة قرب بيته، وكأنه دخل غابة الأمازون، أو أدغال إفريقيل، المرج الذي يوجد أمام بيته من المفترض أن يعطي تصورا عن الطبيعة، لكن صاحبنا أصبح يتصوره  عشبة زائد عشبة زائد عشبة، وتصور المرج بذلك الشكل «ليس أكثر من انطباع لحواسنا التقريبية».

وبعيدا عن مرج السيد بالومار، يمكن تصور أي «مرج» آخر وفي النهاية، ما المرج إلا صورة عن بقية المروج، المتشكلة من نتاج أعشاب متداخلة، ومتباينة، منها الأعشاب الضارة، والأعشاب النافعة، وبعض الطفيليات التي تعجز  عن صناعة اليخضور، ولا يمكن لها العيش إلا ملتصقة بالأعشاب النافعة، مستمدة شرعيتها منها، وبعض الأعشاب الأخرى التي نعتقد بأنها نافعة وهي غير ذلك، وأخرى نعتقد بأنها غير نافعة وهي غير ذلك، ومع تداخلها وتواجدها في المرج نفسه، تسمح بوجود حشرات وزواحف، ومخلوقات أخرى، تتغذى الواحدة من الأخرى، ويتكاثر كل نوع، مما يعطي للمرج منظرا خارجيا متآلفا، يمكن للناظر إليه أن يتغاضى عن تفاصيله، ويتصوره مجرد قطعة طبيعية متجانسة.

ويمكن للسيد بالومار وسائر بالومارات هذه الدنيا لو تمكنوا من مغادرة هذا الكوكب، أن يتصوروا كوكبنا هذا مجرد قطعة مرج، لكنها ليست مربعة  أو شبه منحرفة، بل بيضاوية الشكل تقريبا، فيها الكثير من الأعشاب، والأشخاص والأمم، بعضها يتغذى من البعض، وبعضها يعيش على حساب البعض الآخر، لكن الناظر في النهاية ينسى كل تلك التفاصيل، ويتصور تلك الكرة المعلقة في الهواء، ملساء مثلما نتصور مع بالومار ذلك المرج على أساس أنه قطعة متناسقة.