
لا أقصد بلا رواية التسمية التي أطلقها سارتر على ما عرف بالرواية الجديدة كما كتبها آلان روب غرييه ومارغريت دورا، ولكني أقصد أن عمل ديك لا يخلص لفن الرواية لا لأنه يفتقد لعناصرها التي لا نكف عن ترديدها إن حقا وإن باطلا ولكن لأنها تفتقد عنصرا واحدا بسيطا مهملا على الدوام لا نأبه به أسميه " الإشباع " الذي يعمل عمله السحري ليحول دون اختناق " أثرية " الرواية ولذلك تكون " في الجبة لا أحد " أقرب الى القصة القصيرة منها الى الرواية.
محمد رابحي
ألف 1
تبدأ زهرة ديك روايتها " في الجبة لا أحد " بجملة رائعة فيها ذكاء وفيها إثارة من النادر أن نعثر بمثلها في الأدب الجزائري (على بعد خمس عمارات وثلاث دكاكين ومطعمين وكشك ومقهى ومسجد قرر أن يؤمن بحقيقة..) تربط هنا ديك المسافة بحالة ذهنية وتلغم المسافة بمفردات شارع يعرف المواطن العربي جيدا معنى أن يكون في أمتار قليلة مطعمين اثنين وكشك ومقهى ثم تفجر الحقيقة التي تشكل صلب هذا العمل الروائي. لكن سرعان ما نصطدم في فقرة لاحقة بجمل تنفتح على ما يشبه التحليل بما ينضوي عليه من تركيز جاف وتوجيه وإملاء (أصبح اسم وطنه ينطق بصعوبة ويكتب بمرارة ورعشة. يتفاقم وعيه بأنه واحد من أبناء أكثر الشعوب حزنا.. وصمتا.. وقلقا) وسوف يظل هذان المستويان هما حال الرواية حيث تتراوح بين هذا وذاك، بين أن تكون عملا فنيا يلامس الإنسان ويحاور وجوده وبين أن يكون خطابا بليغا موجها للعديد من الجهات بطلته زهرة ديك وليس "السعيد ".
باء 1
يندرج عمل ديك هذا في سياق الأعمال الأدبية التي حاولت أن ترصد عقد التسعينيات بما هو فترة تحول كبرى بتاريخ الجزائر، وحرصت ( هذه الأعمال ) أن تكون شاهدا عليها إن لم نقل فاعلا لغويا فيها .
و تروي " الجبة " قصة موظف بالمسرح " السعيد " يعود في احدى الليالي الى بيته، الى وحدته بعد طلاقه من زوجته. يتفاجأ بطرق على بابه يفزعه، وقد قدر أن تكون جماعة ارهابية تريد روحه فيتذكر أنه تلقى تهديدات من قبل تخيره بين أن يترك عمله ( النجس ) بالمسرح أو الموت وبعد أن تبؤ محاولاته القليلة والبائسة للنجاة بالفشل ينكفيء على ذاته متوغلا بداخله يستلهم لحظة صفاء وهناء من حبه لإمرأة يتخيلها قد جاءته وطاف بها أرجاء بيته؛ غرفته، أشياءه، حياته، ما خفف عنه ثقل الزائر الدموي .
من هذا الخط الدرامي البسيط الذي يختزل برمزيته النزاع الأيديولوجي الدموي تتدفق ديك في وجدانيات تغلب عليها الجنائزية لا تعمل على تطوير الأساسات بل تكتفي بالدوران حولها. ذلك لأن هيكل الرواية ليس هو هيكل فحسب ولكنه الكتلة والشكل أيضا ما أعني به أن العمل لم يبلغ الإشباع الروائي الذي يحقق روائيته. إضافة الى أن الأسلوب الرمزي الذي توسلته الكاتبة هو الآخر حد من احتمال الذهاب أبعد من ذلك. والأدهى أن يرتبك النسق الروائي ويرتبك معه الكاتب نفسه اذ ينشغل بتشكيل فضائه الروائي وبتموضعه داخل هذا الفضاء وأغفل روح الرواية ومناخها. أغفل أن يعيش الرواية كتجربة انسانية حقيقية، فيسهل بذلك أن يتعثر كما تعثرت ديك في روايتها. ففي الوقت الذي تقول في ص21 أن البطل يقطن بالطابق الخامس تخبرنا بص 22 أن كل النوافذ قد ألصق بها شبابيك حديدية مخافة أن ينفذ منها اللصوص .. ونحن في ثقافتنا الشعبية نعلم أن تسيج النوافذ يخص سكان الطوابق الأرضية أو الطوابق الثانية على الأكثر باعتبار المباني واطئة.
وحينما صورت بطلها السعيد في مطلع الرواية ص29 على أنه مواطن من الغوغاء قد لا يميزه عن العامة إلا أنه يفك الخط وذواق وصاحب حساسية عالية ( رغم أنه ليس مثقفا ثقافة كما أنه ليس من أهل الفن أو المسرح فإنه يهوى مصاحبة الفنانين وحتى أشباه الفنانين.. وبحكم مهنته أتيح له الإستمتاع بمشاهدة كثير من الفرق المسرحية .. تعلم السعيد أشياء كثيرة وحفظ أسماء لم يكن يسمع بها وأعجب كثيرا بشخصية كليوباترا، وشكسبير العبقري الذي كان اسمه يتردد كثيرا.. ومع الوقت فهم أنه صاحب مسرحية روميو وجولييت ومسرحية عطيل .. أشياء وأشياء هامة وجميلة تعلمها من مهنته).
لكنها بعد حوالي عشر صفحات ص39 تقدم البطل كرسام موهوب وعاشق ملهوف واشتغل قبل أن يلتحق بالمسرح كدليل سياحي محيط بالتاريخ أمكنة وأشخاصا (في واقع الأمر فأنا لا أنام فيها (الغرفة) بقدر ما أعقد فيها جلسات صحوة وخلوة مع ذاتي .. إنها حيزي المفضل لممارسة كل عاداتي أصعد من خلالها الى قمة الحلم والجنون وانزل فيها الى غياهب العبثية فأرتطم باللاجدوى حينا وأمسك بالحكمة حينا آخر ) كيف يغيب عن رجل يعرف كيف يجلس مع نفسه ويفرق بين الوجودية والعدمية. أن روميو وجولييت مسرحية لشكسبير بل يغيب عنه اسم كإسم شكسبير وان سمعا وحتى وان كان ينطقه " شيخ زبير "
ألف 2
تتقاطع ديك في عملها هذا مع زملائها الروائيين في كونها ابنة جيل أكتوبر 88 صحا على كابوس ونهض على حافة انهيار. وتتقاطع معهم في متن روائي ينسلخ من حقبة التسعينيات الدامية يستنطق مشهد الحوار المسلح. وان كان لابد من تقاطع ثالث فهو التخندق داخل خطاب واحد وتستطيح الرؤية فتظهر القضية ليس أكثر من صراع خير-شر
وتبدأ "عقدة" الرواية عند ديك قبل بداية الرواية ذاتها وقد لا يكون في الأمر عيبا غيرأنها تقدمها مثلما يقدم الباحث عقدته السوسيولوجية في بداية مقاله .. فهي تقول في الصفحة الأولى (.. مع يقيني بأن الأوطان نتعلق بها كلما آلمتنا ونتشبث بها كلما تنكرت لنا وضيعتنا ونعبدها مهما خذلتنا.. ) وتقول في الصفحة الثانية ( أيكون هذا الوطن قدرا أعمى؟ حتمية لا فكاك منها؟) وفي الصفحة الثالثة (..يرغب في ايجاد وطن لايهم طوله ولا عرضه ولا مساحته وان كان بحجم قرية صغيرة، لايهمني لون سمائه، ولايعنيني لون عشبه على ألا يقل عمره عن .. بل لا يهم .. شرط أن يكون خاليا من الكواسر ومن جميع الحيوانات المفترسة.) فندرك من ذلك أن الوطن هو ثيمة الرواية، الوطن هو هم الكاتبة، الوطن جوهرة البطل المفقودة. فيصبح اذاك موضوع الإرهاب في رواية في الجبة لا أحد – على خلاف ما اعتدنا عليه بالروايات الأخرى – مجرد سبب لفتح موضوع أكبر وأفظع، موضوع الوطن الفاسد المنهار وما الارهاب إلا تسمية جديدة للفساد مرة وللإنهيار مرات. ولأنه المنطلق وليس المقصد فلم تكلف الكاتبة نفسها "الإبداعية" عناء البحث فيه؛ في الوقت الذي هو محرك للرواية نحن لا نعرف ما هو ؟ وتقدمه لنا آلة موت دون أن تخبرنا عن مصدرها ؟ وتسرد لنا حيثيات وتفاصيل القتل ولا نصل الى أسبابه أو أصحابه أو أهدافه ،،؟ لكأنه القضاء والقدر لانسائله ولا نسأل عنه ولكن نسأل اللطف فيه. وهو ما انتهى اليه البطل السعيد نفسه فهو لا يسأل عنه ولا يواجهه ولا يهرب منه وانما يلتفت الى ذاته متجاهلا إياه، الى حبه الى حبيبته سلاحه الكاتم الصوت الذي يطمئنه ولكن لا يدفع عنه الشر. وفي لحظة من لحظات انهزامه يتضرع ملتاعا (.. ولكن لما أنا بالذات ؟ وما دخلي في صراعهم على كرسي الحكم، فأنا لا أريد شيئا أكثر من ممارستي لكما هي، لا أطمح لشيء ولم أعد أحلم أكثرمن البقاء خارج طاحونة الدم ..ص 27 ).
وهذا ليس كلام السعيد فحسب ولكنه كلام ديك أيضا الذي يظهر جليا في المساحات الوجدانية التي تنسج " الجبة ". فلئن كانت من جهة هي وقفات سباب ونواح تشوش السرد فهي من جهة أخرى جميلة في ذاتها بلغتها الشفيفة وأسلوبها الجذاب وخاصة بذهابها في التوليدات التي سوغتها تباعا لحظة الطرق – المواجهة، فجعلت البطل يقف عند دوال إشكالية؛ الجسد، الخوف، الموت، الحب، القهر ،، أبدعت ديك وتعمقت في تناولها ولقد كانت مطروحة من زوايا تلتقي كلها كما – أسلفنا - عند نقطة الوطن الفاسد المنهار – الجميل المحبوب. الوطن الذي هو قضية الرواية وقضية الكاتبة. ومجالها الدلالي لا يغطي رقعة الوطن فحسب وانما يغطي حقبة طويلة أخشى القول أنها تبدأ من الاستقلال (حينما تولينا زمام البلد بطريقة مشكوك بأمرها) وتستمر الى غاية لا نعلمها ولا تعلمها الكاتبة نفسها .
على ذلك ليس من الغرابة أن نقرأفي آخر الرواية (..ونجح السعيد في أن يمنح نفسه زمنا آخر، عالما آخر،، ووطنا آخر .(
كتبها اليوم الأدبي في 11:20 صباحاً ::
