
."لا يحتاج الانسان لأجوبة فلسفية لتبرير أسباب وجوده في واقع يترنّح على إيقاع أحكام الموت اليومية,ليست هذه المشكلة الأساسية, لهذا أظن أن أكبر تحدي له هو كيف يتجاوز سلطة الخوف من الحياة والموت دون أن يفقد عقله أو روحه..
- ف. باتولاسيا – لماذا وكيف ومتّى تموت إنسانا -
عبد الغني بومعزة
( 1 )
وجد سعيد نفسه يقاوم بمفرده قدر الموت المتربّصة خلف باب شقّته في حيّ شعبي على امتداد ليلة طويلة ربّما هي أطول ليلة في حياته,ترسمها لغة النصّ على أنّها ليلة ابوكالبتيّة (قياميّة) يستذكر فيها كلّ ما حدث له أو قام به في حياته,هي ليست ليلة العمر بل ليلة العودة الى مناطق الدّفء النّفسي المنسيّة واكتشاف جزأها الآخر المهمّش بسبب روتين واقع قبيح وعاهر,بداياته الأولى الثريّة بزخم فائض بأسرار الطفولة في قرية جبليّة نائيّة مستدرجا سحر الذّاكرة التّي صاغتها الكاتبة بطريقة فنيّة خالصة الوعيّ والذّكاء (لعبة الشّبكة المعلّقة), الذّاكرة التّي لا تنس ولا تتنكر ولا تخون (تعتبر تيّمة الذّاكرة من أكثر الموضوعات اشتغالا عليها في النّصوص المكتوبة خاصة الحديثة منها وقد نشط منذ سنوات في هذا المجال تيار أدبي مؤسّس لأدب الذّاكرة ويصطلح عليها علماء الاجتماع تسميّة خزّان الهويّة المستلبة), يستذكر سنّ المراهقة والشّباب والرّجولة الأربعينية مهدور وقارها في فخّ المدينة الميتة والقبيحة, مغامراته العاطفيّة العابرة والفاشلة, الوطن مريض الوهم يتمزّق من العزلة وانفصام في الهويّة بسبب إرث ثقيل من الإشكالات السوسيوالتّاريخية في قبضة السّلالة الاسخريوطيّة تمثل أفضل أدوار الوطنيّة الزّائفة, أحلام يكتنفها الغرابة والغموض مترنّحة في سبات أهل الكهف, لهذا يعتبر سعيد نموذج للإنسان المضطهد لكنه إنسان واع بضرورة تحرير ذاته من ميكانزمات العبث والتّمرد عليها حتّى لا تفترسه, لا تمسخه الى كائن مقبور بالحياة, شبح نفسه, سعيد ومردوخ (في فيلم مدينة الظل) نسختان شبيهتان (متلازمة الطّيف النّذير بتأثيراتها النّفسية) للإنسان الفاقد للسّكينة والطمأنينة وللدّفء العائلي وهذا ما يعانيه سعيد رغم إحساسه بالسّعادة لتطليقه زوجته في إيقاع مكاني وزمني يوحيان بان كلّ شيئ قاب قوسين أو أدنى من الانهيار,انهيار الحياة ومشروعها الإنساني الخيّر والسّعيد, الماضي مهد الطفولة وما يتعرّض له من تفعيل للحالة المسوخية القذرة, الأحلام بكلّ نبلها وشرفها تقتاد لمحفل أحكام الإلغاء القاسي, الحبّ الضّمير الغائب,مفضوحة أسراره في ساعات أرق ممتدّة على مدى ليالي من الخيانات الزّوجيّة وفلتان الشّهوة الجّنسية وتزعزع العلاقات الأسّرية, هذه هي جملة الحقائق المخيفة أو جملة الحقيقة ألام المرّة المتعايش معها معايشة الاستحالة ولا يجد بدا من التّحديق فيها وجها لوجه محاولا تخليص روحه المنسابة تدريجيا في دوامة الكآبة المدمّرة,يحدث له كلّ هذا في عزلة المكان الموحش بأشباح ماضيه تراوده عن نفسه وان كان لا يخفي تواطئه معهم,تعلقه بهم,أشباح أبيه,أمه,اخوته,نساء محبوبات قلبه استدرجهم في تلافيف حواسه وذاكرته العاطفيّة المعطوبة,يكتشف ولاكتشافه ألم وتألّم انه كأفراد الشّعب المحطم معنويا وإيمانيا ليس شيئا ذا قيمة تذكر بعدما أحلت الدّماء والأعراض واستبيحت إنسانيّة الانسان في جهنميّة حرب أهليّة شعارها القذارة والبشاعة,من سيحسده على هذا المصير؟, لا أحد,هو مصير مجبول على الجّبن والهزيمة والاضطهاد والهروب الغير المجدي من وحش سلطة ظاهرة وخفيّة فاحشة الجّرم والجّريمة,كلّهم حسب وعيه الذّي تغذيه كوابيس الواقع اضطرابات غاضبة ومضطربة قتلة رسميين وغير رسميين,وهو يعود مساء الى شقته التّي يعتبرها ملجأه الآمن لا يصدّق نفسه انه مازال حيّا في حسابات الحياة والموت,إغلاق الباب بالمفتاح يصبح فعل قطيعة مع عالم خارجي وتصبح ديكورات وإكسسوارات غرف الشّقة الصّوريّة والفوتوغرافيّة والمرسومة بخطّ يده رغم بساطتها وبما تحتويه من رموز ودلالات متحف النّجاة والاستقرار النّفسي من جنون الوحدة والعزلة,أما الشّبكة فهي لعبته الإبداعيّة الذّكية للتّخلّص من هاجس النّسيان بأنه كان في وقت ما كائنا سعيدا على طريقته الخاصة رغم حصار أشباح الحاضر العدوةّ, أما انتصاره الحقيقي على الحالة المسوخيّة فهو نجاحه في استحضار بقدرة و اقتدار في عتمة الحصار الماسك على أنفاسه حبيبة قلبه كليوباترا النّقية من ضغائن حاضريّة لنساء مدينته العاهرة قبحا, فينغمس معها في رحلة مأثورة في عالم التّخيلات الذكرياتيّة عن سيرة الطفل السّعيد الذّي لم يكن سعيدا صنع لنفسه أعجوبة من الأعاجيب وهي متحف الذّاكرة التّي لا تنس ولا تتنكر ولا تخون بينما في الخارج عالم مؤسّس على الضّغينة والظلم والفوضى ينهدم وينهار كانهيار برجي التّجارة ذات 11 سبتمبر التاريخية..
(2)
..أجمل ما في النّص رغم كتابته في فترة زمنيّة ازدهر فيها ما يسمى بالأدب الاستعجالي مع تحفظي النّسبي على هذه التّسمية, كما ذكرت أجمل ما في هذا النّصّ وهذا ما لاحظته بعد قراءتي لعدد لا باس به من روايات كتبت في نفس الفترة هي لغته, فاللّغة في الجّبة لا أحد تشتغل على اللّعب على إرهاصات الذّاكرة النّشطة واستنطاق الأحاسيس المكبوتة ضمير الغائب في مأزق الحياة والموت,هي لغة عنيفة تدرأ عن نفسها سمعة الكتابة الأنثى الرّقيقة والشّاعرية التّي لا تخشى شيئ,تبوح بكلّ شيئ ولا تبوح به, تقول ما لا يقال في حضرة الرّجال الغائبين أو المغيّبين في دروب ومسالك الصّراعات الدّموية والقاتلة, ما هو ظاهر في النّصّ لا يشي بالمتستّر عليه والمتستّر عليه يدخل في امتحان استنطاق وعي وذكاء القارئ النّاضج ومطالبته بتفكيك رموز ودلالات الكلمات اللوغسية المصاغة بإيقاع مضطرب لكنّه حسن التّرتيب والتنظيم يفضح عالم بلا قيم وأخلاق, لا وجود لاستراحة عندما تفرز هذه اللّغة نصّا سرديا غير نمطي تسري فيه رائحة الموت المقرونة بالحياة المسخ على حافة الغثيان,الكلّ يجمع على ان متانة النّص تبنى على لغته وتيمته والاشتغال الفني على ظواهره وهذا ما نجحت فيه الكاتبة الى حدّ بعيد وأظن أنها استفادت كثيرا من عثرات النّصوص السّابقة ولم تسقط في فخّ التّقليد والمباشرة والادلجة والمسايرة الآلية والتّقريرية أو كتابة التّصفيف والتّرصيف التّي أصبحت للأسف موضة النّص السّردي الجّديد لدى عدد لا باس به من الكتاب, رغم تحفظي التّام على الفصل الثّاني من الرّواية الذّي جاء في شكل منشور سياسي لا يقدّم ولا يؤخّر في شيئ, بل جاء مستفيضا وزائدا ولا معنى له وان لم أقل مشوّها لجمال النّص الذّي بين أيدينا.
كتبها اليوم الأدبي في 08:05 مساءً ::
