اليوم الأدبي

دفتر في الأدب والفكر

الجمعة,آذار 21, 2008


 32010

 

جيلالي عمراني

 

-1-

يبدو غرباء المدينة (ونحن في كل الأحوال قلة ومستضعفون يتقدمنا لعمارة) كلوبي حقيقي نحاول فرض منطقنا، إذ ليس من العدل أن نُهاجم بتلك الطريقة الفجة من كل الجهات بتدعيم وبتواطؤ من جهات وأطراف أو أشخاص لا نكاد نراهم، ولم نكن نعرف أن (عين إبرة) تعج أخيرا بالمتطرفين، فـالمدينة دائما تصنع الحدث بحيادها وبتحكم العقل في كثير من مظاهر الحياة. أعرف أن الكثير منكم يقول إنه خطاب ممل وموجه للاستهلاك، نلجأ إليه كلما عجزنا أو عجزت اللغة عن القبض على لحظة التوتر العالية، في كل الأحوال أحترم آراءكم وأقدرها جيدا، وشكرا للذي يرمي الرواية في المزبلة! صدقوني لا تزعجني تصرفاتكم هذه، بالعكس فهي تسعدني، ربما لأن المسألة تعنيني بمفردي قبل كل شيء، ولا تزعجني ردود أفعالكم المختلفة المؤيدة لي أو المعارضة، المتعاطفة معي أو ضدي، في كل الحالات يسعدني أن تشاركونني لحظات الفرح القليلة ولحظات الحزن المباغتة، صدقوني لا تزعجني ردود أفعالكم  وبعضها –أعتذر مسبقا-تشبه الحواجز المزيفة التي تصادر رأيك وحبك، تماما كما تصادر منك أشياءك الخاصة كجواز السفر أو بطاقة الناخب وهاتفك الخلوي .

في هذه الساعة المتأخرة من ليل "عين إبرة" أراقب العالم بمخيلة متدفقة و صافية، أحاول استعادة تلك التفاصيل الصغيرة قبيل وأثناء المخاض العسير بعد اغتيال (ميم) أو انتحاره( لم يؤكد أحدهم أن هذه الحادثة الأولى من نوعها فعلا هي اغتيال أو  حادثة انتحار أو مؤامرة ..شخصيا لست من دعاة ثقافة المؤامرة التي تعود دائما في أشكال مختلفة) كأني أعيش تلك  الأعاصير والتكتلات التي يقودها شباب الأحياء المجاورة من جديد، وهم جميعا في مواجهة هذا العدو المجهول! "لعمارة" في المقام الأول وأنا في المقام الثاني، حتى المدرسة الابتدائية لم تسلم من هذا المد السريع من الغضب الشعبي المنظم. كانوا يوجهون إلي خطاباتهم المسمومة لاعتبارات أعرفها وأخرى أجهلها ربما لأني الصديق المهم للعمارة، ولأني غريب مثله، وهاهم ينظرون إلي بنظرة احتقار لأنني متعاطف مع القاتل أو مشكك في قضية قتل (ميم) أصلا، بمعنى آخر أني أيسبح ضد التيار!

شباب المدينة وبعض الديناصورات يرون اغتيال( ميم) في هذا الوقت بالذات ضربة قاضية لكل طموحاتهم، قد تكون مدبرة أصلا لتشويه المدينة وهي على موعد لاستقبال المستثمرين كما وعدهم رئيس البلدية الذي سهر طيلة أشهر عديدة، فالمدينة نظرا لموقعها الإستراتيجي وإمكاناتها الطبيعية ومواردها الكثيرة محل إعجاب الكثير من رجال الأعمال الذين لبوا دعوة السيد(س ).. الجريمة سياسية ومرعبة وضربة حقيقية لاقتصادنا وصورتنا عند الآخرين، حتما الحادثة ستعطل وتيرة الاستثمار. فالشيخ في خطابه الأخير عقب الجريمة مباشرة، تأسف كثيرا لمثل هذه العمل الشنيع لأنه ضرب في العمق كل مجهوداته الجبارة التي بذلها طيلة هذه السنوات الأخيرة. مع ذلك( حسب أقواله الموثقة) سيبذل جهودا كبرى لتحقيق الرفاهية للجميع..أقول للخصوم والأعداء الذين يتربصون بي ولعين الرائعة: لن نموت بسهولة إذ لا يعقل أن نستيقظ على جريمة شنعاء بسبب تافه وغير مسؤول وغبر مبرر على الإطلاق، أجل غير معقول نحن نبني وهم يهدمون. نبني بدمائنا ويدمرون في لحظة طيش.. نعم لا يعقل .

لسبب ما كان السيد (س) يقصدني في خطابه الأخير ويتوعدني ومارس بعد ذلك سياسة الترغيب والتهديد أحيانا لأغادر "أفتيس" في أقرب وقت ممكن ..

 

****

لم أر زينة منذ مدة، اكتفت بإرسالها رسالة وحيدة لي عن طريق أختها الصغرى " هدى" اعتذرت فيها عما سببته لي من مشاكل وإحراج وسوء فهم من طرف عتيقة، قالت أيضا أنها تتابع كل الأقاويل والشائعات المتداولة في المدينة

و مواقف الرجال الذين خذلوا والدها، أبدا لا يهمها صمت الرفاق... بينما والدي يكابد وحدته في الزنزانة بصبر كبير والذئاب تنهش لحمه، أعرف أن والدي سيتحمل الصدمة بلا شك،  لكن خيانة الأصدقاء جرح ربما لا يتحمله. هل كانت تقصدني هي الأخرى ؟ لم تعرف زينة أني زرت لعمارة مرتين، وطلب مني أن لا أزوره مرة أخرى كان يخاف من تلوث أفكاري بجو الزنزانة القذر، لم يقل شيئا مهما هو لم يعد الشخص الذي نعرفه.

عرفت قبل أيام فقط أن زينة قررت خوض الحياة بمفردها رغم استفزازات الكثيرين، لا تزال تتنقل في أزقة "عين ابرة" بمفردها تذهب إلى الجامعة يوميا، تسخر من مغازلات علانية.. أينما ولت وجهها تر السخط في وجوه الشباب المشبع بأفكار الكراهية إزاء عائلتها و جل الغرباء أمثالها، هل نحن غرباء في "عين" الحب والسلم؟ لعلها – أي زينة-تكتب أزمتنا شعرا، وهي واثقة جدا من موهبتها الخارقة.

 

مقتطف من رواية بالعنوان نفسه، الصادرة مؤخرا عن منشورات التبيين

من مدونة "مرافئ"