اليوم الأدبي

دفتر في الأدب والفكر

الأربعاء,آذار 19, 2008


 523pho

كنت أحس أن المتاهة الوجودية أكبر بكثير مما عبرت عنه

 

أحمد عبد الكريم، وإن عرف شاعرا، وقد صدر له «تغريبة النخلة الهاشمية»، و»معراج السنونو»، فهو بالمقابل ليس غريبا عن عالم السرد، وقد صدر له في هذا السياق «كتاب الأعسر»، واليوم كأنه يستعيد تلك التجربة من خلال نشره لأولى رواياته «عتبات المتاهة» التي صدرت له أخيرا عن منشورات الاختلاف، وانطلاقا من الإصدار الجديد، جاءت فكرة هذا الحوار:

 

حاوره الخير شوار

 

كنت تسأل نفسك السؤال وتؤجل الإجابة عليه.. هل أنت روائي أخطأ الطريق إلى الشعر، فهل أنت كذلك بعد صدور الرواية؟

أنا الآن في مرحلة قلق وتساؤل على مصير هذه التجربة ومآلها، وكيف سيكون تلقي القراء والمهتمين لها، وهل ستحظى بالقبول ويتم قراءتها كما أتمنى أم لا، لذلك فالإجابة على سؤالك مازالت مبكرة، وتظل محكومة بعدة عوامل مثل التي أشرت إليها سابقا، لذلك لا أستطيع أن أحدد بدقة إن كنت سأتجه إلى الرواية مستقبلا إلا إذا ثبت لي أنني أستطيع أن أقدم شيئا مهما كروائي، وأن لا يتم التعامل مع نصي هذا كمحاولة شاعر، ويظل الإصرار على النظر إليها على هذا الأساس بعيدا عن المعايير التي تحكم الفن الروائي. في هذه الحالة سأجدني مضطرا إلى العودة إلى موقعي كشاعر وأواصل كتابتي بما أتيح لي من أدوات شعرية، لعلك تعرف مستواها أكثر مني. لذلك دعني أقول بأنني لست متسول كتابة، ولم آت إلى الرواية إلا لأنني أريد أن أقدم شيئا مهما ذا قيمة، يثري فن الرواية لا الشعر، إلا بالقدر الذي يشير إلى أهمية الجانب الشعري في الفن الروائي، وما يمكن أن تفيده الرواية من الشعر.

من جانب آخر، يجب أن ننتبه إلى أن المسألة، أي انتقال الشاعر إلى كتابة الرواية ليست بالسهولة التي قد يتصورها البعض، من حيث طريقة التعامل مع الفنين، وهناك عديد الصعوبات النفسية التي تنجر على ذلك. والتي تؤدي إلى أن يعيد الشاعر برمجة نفسه نفسيا واجتماعيا وسلوكيا بما يتماشى مع متطلبات الفن الروائي الذي يتطلب مشروعات طويلة الأمد، ويحتاج إلى الكثير من البحث في حقول مختلفة، بخلاف الشعر الذي يعتمد على اقتناص الحالات العابرة والعزلة والتأمل أكثر من أي شيء آخر.

 

في تجربة سردية سابقة (كتاب الأعسر)، كنت وفيا لمكانك الأول، لكنك غادرته (فيزيائيا على الأقل)، في رواية «عتبات المتاهة»، هل لأن الرواية هي فن المدينة، لا فن القرية المقدسة؟

أنا لم أكتشف مكاني الأول إلا بعدما غادرته، في أول رحلة قصيرة من أجل الدراسة، من خلال المقارنة التي قمت بها بينه وبين غيره من الأمكنة، لأن المسافة هي التي تسمح لنا برؤية الأشياء بوضوح أكثر. لذلك اكتشفت أن مكاني الأول مختلف تماما عما رأيته هنا وهناك، وهذا الاختلاف هو الذي شكل نظرتي الخاصة عنه. ولو لم يكن كذلك ما كان ليعني لي شيئا، واعتقد أنني كنت محظوظا من حيث أنني وجدت في مكان استثنائي لا من حيث العمران والتمدن، ولكن من جانب كونه زاوية عامرة وعلامة روحية تحيل على التصوف والأصالة والجينيالوجيا الطاهرة، بين قوسين، أغنت الذاكرة والتاريخ، هذه الخصوصية زادت من انحيازي لمكاني الأول .

ولكنني لم أفكر مطلقا بأن الرواية معادل للمدينة، ويجب أن تتمثلها، وإلا فليست رواية، بل بالعكس حاولت بوعي أن أقول بأن حياة الصحراء تنطوي على أبعاد روائية.

 

حتى وأنت في قلب المدينة (البهجة)، لم تتخلص من القرية التي ظلت حاضرة بقوة كما يحضر التاريخ كذلك، هل هي المتاهة أم اللعنة؟

إذا افترصنا أن الرواية تعبر بشكل غير مباشر عن جانب من سيرتي الذاتية، بالنسبة لي هي المتاهة واللعنة معا، على الأقل في تلك اللحظة التي تستعيدها الرواية، قد يكون الأمر مختلفا الآن بحكم السن والخبرة، وأقل حدة مما يظهر في عتبات المتاهة.. في عتبات المتاهة عدت إلى التعبير عن تلك الصدمة الأولى في المدينة وآثارها النفسية والاجتماعية علي كقبلي طارئ ولا عهد له بالمدينة. لسبب بسيط هو كوني بدويا بطبعي، ومن ثم ليست لي القدرة على التأقلم مع حياة العاصمة بتناقضاتها الصارخة ونمط العيش وإيقاع الحياة فيها.

 

في آخر الرواية يصرخ البطل مخاطبا البحر: «لا أنا قادر على عبورك، ولا أنا قادر على العودة إلى صحرائي»، ألا تراها صرخة تشبه تلك التي أطلقها بطل «موسم الهجرة إلى الشمال» عندما لم يستطع مواصلة السباحة نحو الضفة الشمالية، وأي علاقة تراها بين الصرختين؟

يسعدني أنك انتبهت إلى هذه الجزئية، أنا بالفعل حاولت وعن وعي وتقصد أن أعبر عن بعض المقولات الفلسفية والحضارية والفكرية وحتى السوسيوثقافية، وأن أجعل من نصي عتبات المتاهة على تماس مع كثير من الأفكار التي تمتلئ بها الساحة عندنا وعند غيرنا، ولست أدري حقا إن كان الذين سيقرؤون هذا النص سينتبهون إلى المحمول الفكري العميق الذي حاولت أن أعبر عنه سرديا، وحاولت أن أؤثث به نصي كي لا يبقى مجرد نص لغوي هلامي مفرغ من أي موقف ومن أي فكرة عن الذات والآخر وعن الشمال والقبلة وعن التاريخ والهوية وقضايا أخرى، لا أريد أن أشرحها وأترك للقارئ أن يفسرها بطريقته..

ولذلك فموقف بطلي وبطل الطيب صالح يتشابهان كثيرا في هذه اللحظة التاريخية التي مازالت قائمة بل ربما زادت حدتها بفعل الحوار أو الصدام الواقع بيننا وبين الآخر إذا شئت.. لكنها على صعيد آخر البطلان يختلفان كثيرا في الملامح والسياقات التي وجدا فيها ..

 

عرفت كشاعر، إلا أن صلتك بالسرد قوية، ظهر ذلك في «كتاب الأعسر»، وتجذّر في هذه الرواية، ما أصل هذه الصلة؟

سأقول لك شيئا أقوله لأول مرة، وهو أن بدايتي المبكرة والأولى لم تكن مع الشعر، بل مع القصة، وأتذكر أنني كتبت قصتين هما «موعد مع القدر» وقصة عن الثورة هي «لقاء عند الخط الأحمر» أعدت صياغتها بشكل جديد، وظهرت في عتبات المتاهة في الفصل الذي يحمل عنوان «دماء الياسمين». لكن تدخل أحد أساتذة اللغة العربية، ممن أثق بهم كثيرا، ونصحني بالاتجاه إلى الشعر الذي كان يتم النظر إليه في ثقافتنا على أنه ديوان العرب ويحظى بنوع من القداسة، كما أن القصة لم تكن تحظى بالقبول في محيطنا..

ولذلك فإن كتاب الأعسر لم يكن أول يكن أول صلة لي بالقص، وقد كتبته في ظرف خاص، وفي لحظات من الكآبة واليأس بعد وفاة أختي في ريعان شبابها. أملت علي الهروب إلى الحكي والذاكرة. وكأنني كنت أهرب تلك الذاكرة من براثن الموت.. وربما هذا ما يفسر انتقالي إلى الرواية، بل ربما يمكنني الحديث عن عودة إلى ما كنت بدأته مع السرد في سن مبكرة..

ولذلك فإن عتبات المتاهة هي امتداد لكتاب الأعسر، كما أنني وظفت كثيرا من تناصات كتاب الأعسر في هذه التجربة الروائية ..

من مزايا كتابة الشعر، هو أن الشعر يمكنك من امتلاك أسرار اللغة، باعتبار اللغة هي المادة الخام لكل فنون الكتابة، مما يجعل الكاتب يستطيع الانتقال من الشعر إلى أي شكل أدبي آخر.. لكن الأمر لا يخلو من خطورة ومن مجازفة كما وضحت سابقا، وشخصيا لا أرغب في يتم النظر إلى تجربتي بالتركيز على الجانب اللغوي فيها فقط، لأن البلاغة ليست هي كل شيء في الفن الروائي. ولكن بالنظر إلى كل العناصر الأخرى المتضافرة في تشكيل أي عمل روائي..

 

كثير ما يتكلم الشعراء عن موت الشعر، فهل أعلنت موت تجربتك الشعرية مع ميلاد هذا المتن السردي الجديد؟

لقد سبق لي وأن عبرت عن هذه الفكرة، في عدة مقالات وتكلمت عن نهاية الشعر في الجزائر، وانسحابه من المشهد لحساب الرواية، وتكلمت أيضا عن إفلاس أهم مشروع حداثي على يد جيل الثمانينيات، الذي أنتهي شعريا ووجوديا بفعل عوامل كثيرة يطول شرحها. بعدها حدثت ردة شعرية كبيرة، وطغيان أصولية شعرية جديدة تعتمد على سطوة القصيدة العمودية.. ما يؤكد نهاية الشعر وإفلاسه في الجزائر، هو أنه بالرغم مثلا من صدور عدد كبير من المجموعات الشعرية، بمناسبة تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربية، إلا أنها كلها مجموعات قديمة تعود إلى نهاية القرن الماضي أو سبقت طباعتها، تخلص منها أصحابها وعادوا إلى بيوتهم ومصالحهم، وكلها لا تضيف شيئا مهما لمدونة الشعر العربي الجديد ..

على صعيد شخصي، كنت محبطا ويائسا من أية محاولة في حقل ملغم ووسط أفق مسدود، وهذا الإفلاس الشعري هو سبب من الأسباب التي أدت بي إلى التحول من الشعر إلى الرواية كخيار للانخراط في فعل الكتابة أفضل من الانسحاب أو البقاء في حالة تبلد وذهول، ولكنني أفكر فيما لو عدت إلى الشعر سيكون رهاني كبيرا على قصيدة النثر لأسباب عديدة..

 

كانت كاهنة في الرواية «أولى عتبات المتاهة»، فهل الرواية هي أولى عتبات تجربة روائية قادمة؟

المرأة هي مفتاح من مفاتيح الوجود وسر من أسراره، ومن الصعب تجاهل حضورها في أي نص من النصوص، فهي مصدر إلهام لا ينضب على مر الأيام.. لاسيما إذا كانت امرأة كالكاهنة أو لالة زينب أو إيزابيل ابرهاردت ممن حاولت أن أشير إلى حيواتهم في عتبات المتاهة، خاصة الكاهنة، فقط لأن كاهنة بطلة الرواية كانت ممتلئة بها، وهي مسوغ روائي من أجل تناول بعض المسائل المتصلة بتاريخنا وهويتنا ..

أصررت على «العتبات» لأنني أدرك أهمية هذه الكلمة في حقل النقد، والعتبات النصية عند جيرار جينيت، كما وأنني أعرف بعض معانيها في ثقافتنا، وتراثنا فنحن نعطي أهمية كبيرة للعتبة، وهي رمز تفاؤل أو تشاؤم بالبيت. كما وأننا نتحدث في تراثنا الصوفي والطرقي عن العتبات المقدسة، كما كنت واعيا بأن روايتي، يمكن أن تكون عتبة، من ناحيتين، أولا من ناحية أن هذه الرواية هي بداية تجربة جديدة بالنسبة لي، قد أدخل بعدها وأكتب مزيدا من الروايات التي لا يخلو ذهني من بعص التفكير فيها، وقد أبقى عندها وأكتفي بهذه المحاولة، كنوع من التحفظ على ما يمكن أن يترتب عنها من مفاجآت قد تكون سارة وقد تكون غير ذلك.. وثانيا كنت أحس أن المتاهة الوجودية أكبر بكثير مما عبرت عنه، وبدت لي مجرد عتبة لمتاهة إنسانية لا يمكن أن نعبر عن عمقها إلى بشكل نسبي..