اليوم الأدبي

دفتر في الأدب والفكر

الجمعة,آذار 07, 2008


 
سعدي صبّاح
تربّى الجابري بين حقول القمح، عشق حفيف السنابل وشدو العصافير، أرضعته الأمّ الرؤوم هواءها المنبعث مع هفهفة النسيم من وراء الزّعتر البرّي، وللجابري سرّ حين يعبث الرّبيع وهو يرى العصافير تُعلن عشقها بتعانقها في الفضاء الرّحب يأخذ من حُبّها وهُو لا يعرف للحُبّ معنى، تفتتنه لوحات أبدعتها أنامل أفريل…خيول على بساط الزّرع الأخضر.. أرنب تسبح في بحر من الحلفاء تعبر المنحدر. ثعالب تقبع بالسّفوح وذئاب تتربّص بالقطيع.. جوناء تزدل شعرها الذهبي ليغازل إكليل الجبل..يرتشف طراوته فيُسكر الصّادي والغادي ومن هؤلاء الجابري الذي أدمن هذه المناظر وأدمن أيضا حكايات الجدّات وهُنّ يُثرثرن على ضوء القمر.. قصص بني هلال وأخرى عن حيزيّة ومرثيّة ابن قيطون التي خلّدتها على مرّ الزمن وللجابري حكايات مهاء الصغيرة التي كانت تُشاطره أرجوحته وتراشقه بتلافيف النُوّار..تلعب وإيّاه عريس وعروسة إلى أن رحلت بعد رحيل جدّتها إلى ديار الرحمان !نأت عن الجابري فتفجّرت بداخله الخواطر الشعريّة والحكايات، فالقصص التي يُصوّر فيها الرّحيل... وأُخرى عن حياة غرست بثرى الجابري كُلّ جميل علمته فن الكلام وكان يقصّ على الأتراب أروع القصص، يُكسّر الرتابة بكل مساء حزين، ولكن حياة الجابري في البوادي لم تُعمّر طويلا وهذا بعدما طال انحباس المطر هذا العام وكلحت الرّوابي والبطاح، حزنت المواشي ولاحت أضلاع الأراخي والعُجول لا ربيع ولا طُيور تعبث على الأفنان، لا زهر يُغازل الرّيح ولا بواشق تعزف على الأطلال ! ترحل الأهالي بعد رحيل مواشيها ويرحل الجابري بهاجسه ويذوب في الصّخب والزّحام، رحل ورحلت معه البسمة التي كان يُوزّعها بالمجّان ! ابتلعته المدينة بالإكراه لكن لم تستطع أضواءها وزخارفها سحق ملامح بنات دشرته اللواتي كان يسرق من عيونهنّ السّاحرة أجمل الحكايات ! لكن لمن يحكي الجابري في مدينة أنجبت جيلا التهمته وحوش الخلاعة يُشاهد مناظر لها أبطال من لحم ودم يُمارسون العهر تحت الأضواء، وأُناس غير مكترثين به فاستحضر الجابري موته دون إرادة، تاركا جمعا قد كان يلتفّ حوله تحت سماء صيفي زاخر بالنجوم، أصبح ينام نوما غير الذي كان ينامه على ثغاء السّخال، فهرب الجابري ليقتل ليله بتدوين قصصه التي وُلدت من رحم المآسي ومن الشوق يُمزج بين كائنات بريّة وأُخرى من رسم الخيال ويُطعم الحكاية بألعاب الصّبا فتخرج قصص تُشابهه..يكتب عن التي رحلت تاركة جذوتها تتأجّج في الضُلوع ! لن يُعاتبها في خواطره لأنها صغيرة غير عابئة بكواليس الرّحيل.. هذا الرّحيل الذي جعل مُزنة الجابري تتهادى قطرات في البداية ثم شلالا من المعاني والكلمات وكُل ما يخطه الجابري يوحي للكثير من حياة الصغر فيتوارى الجابري حتى لا يكون بطلا لهذه الحكايات، يتخذ من الكلمات موسيقى تُدغدغ العواطف..تعزف على حبل الوريد، اتّخذ من الحرف غريما أزليّا يزرع من ورائه المتعة، وفي إحدى المساءات الرّتيبة خرج الجابري باحثا عن مفاتيح المدينة فالتقى كهلا يسبح بجليد الغربة فحاول إزالة الصّقيع الجاثم على صدره..انتشله دون سابق معرفة..دعاه إلى إحدى المقاهي العتيقة وبجوّ شاعري وقهوة فرارة فُتحت نوافذ القلبين لتدخل العصافير، وبدأ الجابري يُحدّثه عن البوادي..الصيد..جني الفطر وعن كتاتيب الدشرة ومعلّمها الذي يرسل العطر والرمّان لتلك الأرملة !... عن أسراب القطا وحُبّ العصافير حين تشرب الندى.. وعن بنات الغجر الجميلات..وعن بدويّات مثل عبلة وأخريات مثل ماري... وعن التاجر الذي كان يأتيهم بالسلع على ظهر حمار أشهب هزيل ! يُوزّع عليهم حبّات الحلوى المزركشة بألوان الرّبيع مقابل بيضات يسرقونها من خُمّ الدجاج ! تنهّد الشاب بعدما أتمّ الجابري حكاياته الجميلة طالبا منه قصصا مكتوبة فأسمعه قصّة قد أعدّ الجابري حبكتها وافترقا على الأوبة قبل رذاذ الظلام، وحكايات الجابري أُغنيات تتردّد على مسمعه كالأسطوانة تطير به عبر البراري والقفار أمله أن يقصّ على أترابه قصصا رائعة لم يتعلّمها الجابري في المعاهد والجامعات ! وكانت تلك القصص مولودا ثالثا من الجابري والحياة، الآن صار للجابري معجبات عشقن حياة البوادي من خلال قصص الجابري التي أذاعها بعض المعجبين، وأصبحت كُلّ واحدة تحلم.

من مدونة "صباح"