الخير شوار
يقال على ذمة تلك الإشارات الرقمية التي تشكل الشبكة العنكبوتية العالمية، أن العالم لم يعد كما كان، وأن توابع الشمس صاروا عشرة، (وقيل تقلصوا إلى ثمانية)، وأن عاشرهم بعد الأرض وأخواتها "
الكلاسيكيات" سمي "بالومار" وهو اسم لفلكي عاش في القرون الوسطى، ثم بعث خلقا أدبيا على يد الكاتب الإيطالي الراحل إيطالو كالفينو في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كتب تلك الرواية-السيرة التي
عنونها ب"السيد بالومار".
صديقنا بالومار (ليس الكوكب العاشر، ولا الفلكي الشهير) بعد أن تصبح حياته سلسلة من الخيبات المتواصلة وكأنها خيبة واحدة متولدة باستمرار، يقرر في لحظة دونكيشوتية أن يتخلى عن عمق الأشياء ويمرّن
نفسه على معينة الأمور من الخارج، ويذهب إلى شاطئ البحر في بداية الأمر لاختبار "نظريته" تلك في تتبع موجة بحرية واحدة، واحدة دون غيرها من الموجات التي تمتلئ بها البحار المحيطات، وتقذف بها في
سيزيفية عجيبة منذ أن وجد البحر ووجدت اليابسة من شواطئ رملية وصخرية، ولكن أية موجة يمكن أن يعاينها صديقنا بالومار؟. .
إنه يرقب موجة واحدة ووحيدة، ويفصلها عن سياقها ليلحظ "لحظة كونها" و"لحظة فسادها" بتعبير الفلاسفة القدماء، ويوغل في التفاصيل، فيحدث ما يحدث في الرسومات عندما تنقسم إلى مربعات تستوي
ثم تتلاشى أمام ناظريه، ثم يصل في النهاية إلى عبثية فكرته.
وتحيلنا هذه الفكرة إلى فكرة أخرى، على طريقة الموجات المتلاحقة وتتعلق بقصة لكاتب يحبه "بالومار الأب" (إيطالو كالفينو) وهو خورخي لويس بورخيس، وقصته "حديقة الممرات المتشعبة" عندما
يفكر المؤلف-الراوي في أن "كل شيء وبالنسبة لأي شخص، يحث تحديدا تحديدا، الآن، يمر قرن بعد آخر، ولا تحدث الأشياء إلا في الحاضر، هناك عدد لا يحصى من البشر، في الهواء وعلى الأرض وعلى
البحر، وكل شيء يحدث بالفعل يحدث لي".
ومن هذه الفكرة الغريبة تتولد الشبكة وتتعقد، ليصل صاحبنا في النهاية إلى فكرة مفادها أنه عندما تفرض الظروف على جاسوس مثلا أن يقتل ضحيته، فهذا لا يحدث إلا مرة واحدة في كون واحد، بينما يكون في
كون آخر، ذلك القاتل ونلك الضحية صديقان في علامة هذيانية بورخيسية مسجلة، تذكرنا بموجات بالومار التي تحدث منذ قديم الزمان، لكنها متتابعة ولا تحدث إلا في الحاضر، والحاضر هنا يمتد إلى مالانهاية في
كل الاتجاهات، فهو شبكة من "الحواضر" التي تفرض على بالومار (وعلينا) أن يتخلى عن التفكير بسطحية في الأشياء حتى ولو أراد ذلك، من باب أن رفض التفلسف في النهاية يحتاج إلى ضرب من
التفلسف وقدرة على التأمل والاقناع لا يتوفر عليها إلا الفلاسفة، وفي النهاية يصل صديقنا بالومار إلى نتيجة مفادها "إذا كان ينبغي أن ينفذ الزمن، فبالإمكان وصفه، لحظة تلو لحظة، وكل لحظة عندما توصف،
تتسع لدرجة يصعب معها إدراك حدتها"..
إنها المأساة المتولدة كمتتالية هندسية، لا ينتهي التفكير فيها إلا عند لحظة هلاك صاحبها، وذلك ما حدث لصديقينا كالفينو وبورخيس، ولكل السابقين واللاحقين في تلك اللحظة الحاضرة الممتدة إلى ما لانهاية تماما على
طريقة الموجات المتلاحقة.
كتبها اليوم الأدبي في 05:19 مساءً ::
