لم يستوقفني سؤال النقد إلا قليلا
في هذا الجزء المتبقي من الحوار المطول مع الشاعرة منيرة سعدة خلخال، تحدثنا عن الطفولة، والحداثة، والجدل القديم المتعلق بالمتابعة النقدية للمتون الشعرية والسردية الكثيرة، التي تخرجها المطابع في كل حين،
وتكاد تمر مرور الكرام، وعن أسئلة الكتابة الكبرى عند هذه الشاعرة التي أصدرت عدة دواوين وتشرف على جمعية ثقافية ذات طابع أدبي:
حاورتها: نوّارة لحرش
نصوصك حداثية في دلالاتها، إلى ماذا ترجعين هذا؟
تصدرت ديواني "لا ارتباك ليد الإحتمال" مقدمة مفادها نص بعنوان "أكتب"، تضمن إحدى الإجابات التي تحاول الإلمام بسؤال الكتابة السهل الممتنع: أكتب عني لكن لا أكتب لي..-أكتب للمحتمل،
للمفترض، للممكن أكتب للذي بيني وبينه-مسافة الوهم ،حرف الروي، أكتب مشتاقة، أكتب مستاءة-أكتب دمي-أكتب الوجد، أكتب المجد،-أكتب القلق السوي..
أكتب ماذا، أكتب أيضا؟ أكتب كيف،..".
بمعنى أن نصوصي الشعرية لا يمكنها أن تولد خارج سياق هذه الأفكار، المعاني والدلالات المشروطة بزمانها ومكانها الحقيقيين أو المفترضين لكن في حدود أن بهجة الشعر – كما تعرفين- مفتونة بورد
النبوءات وشباك الإستشراف المشرع دوما بعين التخييل، فما معنى أن نكتب قصيدة أو قصة أو رواية عن الثورة التحريرية الآن مثلا؟ ماذا نعرف نحن عن حرارة اليوميات، وعن قر الليالي، وكيف نجسده في
تماثيل المتون ونحن لم يلسعنا حسه ولم يصبنا صدق المعايشة؟. ربما نكتب في الخيال العلمي مثلا، في مستقبل الرؤى، أن تعود بنا الذاكرة أدراجها للعبرة والإعتبار، لكن ليس بمعنى أن تجرجر معها جميع
الحواس التي تشكل ماء الكتابة ككل ،فليس بمستطاعها وإن شاءت.كذلك فأنا أكتب وقتي
وجغرافيا الأمكنة المتاحة بكل إشعاعاتها اللامعة بنضارة الحزن وشفافية الفرح الذي يظل يبحث عن ألوانه في مرايا الزمن الضرير..
تتكرر الطفولة كثيرا في نصوصك، هل لأن الشعر مشاغب، أم لأنك ضد أن تتشيأ طفولة الإنسان وطفولة الشعر معا؟
عندما قلت: "وأنت قنديل بليلي-ليس يهدأ توهجه حلما، يؤلف بيني وبين السماء-لأكبر وأكبر وأكبر..- حتى أصير طفلة بعينيك.."
و في نص آخر: "والأرض أنشودة المطر الأولى
تفعيلة الماء - تنحدر من سلالة الوردة - لتذوب في حضرة الطفلة- تلك التي تخاطب الشمس بحفنة من نثار الدمع- وشلالات من ندى الأسئلة".
كنت أشير إلى أننا (أنني) أكبر نحو الطفولة،، هكذا فسؤالك جميل يا نوّارة، لأنه يلبسني حذاء الفراشة لأعدو في حقول الكلام البهية، المشتهاة، أرهف السمع لها -الطفولة- المرادفة لبراءة الفكرة، المصاحبة
لألوان الحواس، المتدفقة بأشكال السرور، والمشاكسة لأطياف الحركة الراقصة على أوتار المحبة، وهي تهب الأسطورة سرها وسحرها المقيم.
متون روائية وقصصية وشعرية تصدر يوميا لكن النقد هو الغائب الأكبر في هذه المشهدية الأدبية إلى ما ترجعين ذلك؟
منذ وعيت على نصي الشعري في المعترك الأدبي مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، وبإصداراتي الثلاث: "لا ارتباك ليد الإحتمال"،" أسماء الحبّ المستعارة" و" الصحراء
بالباب" لم يستوقفني سؤال النقد هذا إلا قليلا، أو ربما انحسر في المرات التي شهدت ميلاد مجموعاتي الشعرية على وجه الخصوص، ذلك لأنها مواعيد مؤرخة لتجربتي المتواضعة في مجال الكتابة، فالواقع أن
النقد ببلادنا أخذ منحى كل شيء يتوخى مصلحة ما، نظيرا أو مقابلا، وكما في الحياة عموما الذي ينتظر الثواب سوف يتعبه الإنتظار الفارغ. فالنقد يشتعل غيابا في بلادنا ولا ينطفئ أبدا في حضرة بعض
المقاربات أو ما يصطلح على تسميته بالقراءات التي لا تغني عن جوع القراءة ذاتها ولا عن ظمأ التلقي في أغلب الأحيان، كما أنها تحرم النص الأدبي فرصته في أن يتبوأ مقامه اللغوي والمعرفي الذي يترجّاه، مع
واجب الإعتزاز بكل المبادرات الفردية والجماعية سواء متابعات أو ورشات للقارئين العاشقين. فهذا السؤال أصبح يعني بالنسبة لي مغبة النظر إلى الوراء بما تحمله هذه الخطوة من تبعات التوقف، التردد، ثم
الإستياء.. وأنا منشغلة حقيقة بفيوضات الراهن ومنفتحة رؤاي على شرفات المدى المحكومة –بدورها- بالآفات الجميلة للبزوغ والإشراق فلا مجال –إذن- للعين أو القلب معا إلا اختطاف لحظات
التجلي هذه ومحاولة تدوينها حسيا وشعوريا عبر قناة اللغة النابضة، المتأنقة والعارفة بأسرار الكمال الذي نظل نقتفي أثره في كل شيء ودون حذر خاصة في سماءات عروش التخييل المستوية في دنيا الكلام التي
نزعم أنها ليست لسوانا!
هل يمكن اعتبار " أسماء الحبّ المستعارة" فواصل لمسيرة ذاتية متباينة من نص إلى آخر و"لا ارتباك ليد الإحتمال" سيرة المشهدية السوداء؟
"أسماء الحبّ المستعارة" هي هذا المزيج من الصخب والصوت، من الحياة ومن الموت، هي صرختي ونبض روحي البكر في عالم الكتابة، ألفتها بين سنوات 1990 و1995 الفترة الهامة والخطيرة من عمر
بلادنا، فكانت الصورة العالقة بالذاكرة للمشهد الصادم والمرعب، فمعظم نصوصها أكدت تعبيرا عن انخطاف الكائن إزاء ما حدث.. فتضمنت قصائد : "الموت اللامشروع"، "تأخر الربيع هذا العام"،
"مقاطع للإغتراب والإنتماء"، "الشقاء في خطر"..إلخ. وأزهر القلق بعد ذلك وأثمر "لارتباك ليد الإحتمال" الصادر عن اتحاد الكتاب الجزائريين سنة 2002 وضم 26 نصا يدور بعضها في فلك
الدهشة الذي ينتهي إلى ليل طويل مستفحل في البشاعة والخوف، في حين تأتي النصوص الأخرى إستعارات شديدة التكتم لأسرار القلب مثل:"في امتداد الأحجية"، "كذلك ألقاك"، "هديل الوعد"، "أرجاء
المكان"،"لوعة الإلتباس"، "ما كان للريح"، "و أنت حل بهذا الأحد"،..إلخ، وهي أيضا أسماء متعددة للخوف، للإنتظار، لليأس أحيانا ولكنها للحبّ على الدوام !.
أحيانا تحضر الصوفية بصفة خجولة في نصوصك، هذه الصوفية الشعرية الخجولة ما مرجعها؟
أنا إنسانة مهووسة بالروح ومكنوناتها، عوالمها وأجوائها، مفتونة بهذا الخلق وعظمة هذا الخالق "الذي نفخ فينا من روحه".. فإذا كانت روحنا بهذه الدهشة، الإشراق والسعة، بذاك- الفرح-، فكيف بالروح
الأصل؟؟. هي أسئلة شغلتني منذ تفتحت بصيرتي على الرؤيا وأصابني الإدراك، لذلك فلا غرابة في أن نصوصي الشعرية تأتي محملة أحيانا ومدججة في أخرى بكل تلك المعاني المرفرفة بماء الحلول، دفء
الحبور وسرور التوافق ونماء الطلة وحفاوة الحضور وجلجلة الإنتباه ،و،و ..
أهم النصوص تحمل هم السؤال،سؤال الوجود،سؤال الحياة،سؤال الشعر، سؤال الكينونة،سؤال الجدوى واللاجدوى، سؤال الأنا والأنا الآخرى، طبعا السؤال قدر الشعر وواجبه الضروري الشمولي فما رأيك وأين
وصلت أنتِ في مسيرة الأسئلة؟
ومهووسة أيضا بالأسئلة، التساؤل والمساءلة، أنا دائما في حالة استنكار لما يحدث من بشاعة حتى وإن لم أصرح وأندد وأهتف عاليا، فالكلام أحيانا يصير حماقة كبرى كما أن الصوت مهدد بمعضلة الخرس و-
أنا لا أحب الصراخ، الذي يكاد للأسف يدخل ضمن مقرراتنا التربوية، التثقيفية والسياسية، فالطفل يصرخ في الروضة والكتاب وفي المدرسة ويصرخ الجندي في المؤسسة العسكرية وهو يؤدي التحية ويصرخ
السياسي حتى ينفرط عقد حباله الصوتية وتنفلت تقاسيم محياه وهو يناشد الناس المصادقة على برنامجه بالإنتخاب..كما أجدني في حالة استنفار لمد سيول السائد مما يقترفه الجنون غير العاقل وغير المبدع ،و في
مساءلة للذات أولا ثم للآخر شخصا، وطنا أو مجتمعا دوليا.إن السؤال في معتقدي قبسا نورانيا خالد الإشعاع للمعرفة، ومحاولة لإيجاد وقع حكيم للخطوة كي تثبت على رسلها، والسؤال دليل فلسفة الإنصات
والجوهر الفريد للمحبة.
ماذا بعد ديوانك الثالث" الصحراء بالباب"، يعني على ماذا تشتغلين الآن؟
الديوان صدر كما تعرفين عن منشورات أصوات المدينة سنة 2006 بدعم من وزارة الثقافة دائما ويضم إحدى عشر نصا شعريا تترجم ثورة ضد اللغة التي مهما تحاببنا وتصادقنا - أنا وهي- فإنني أحس
أحيانا بخيانتها حين لا تستجيب للإحساس الشفيف، للطموح الوارف، وللصورة التي أتوق أن أرسمها خالدة، لذلك لازلت أقول: تبت يدا اللغة ! وحاليا أنا بصدد وضع اللمسات ما قبل الأخيرة على مجموعتي
الجديدة ولن أقول لكِ عنها أكثر كما أنني أنتظر صدور "العين حافية" وهي قراءة شعرية في بعض لوحات الفنانة التشكيلية ياسمينة سعدون وقد كانت مبرمجة في إطار إصدارات الجزائر عاصمة الثقافة العربية
2007 .
في أحد نصوصك تقولين " تعودت أن لا أحزن" هل يمكن للحزن أن يصير عادة يومية ؟ وهل يمكن أن نعتاد عليه دون أن يؤذينا وهل حين يطرقنا يمكن أن نتجاوزه إلى فرح ما - إلى نص ما؟
بالتأكيد وحدث ذلك في "لوعة الإلتباس" في ديوان "لا ارتباك ليد الإحتمال" عندما قلتُ: تعودت أن لا أحزن - وأن أحصن سمائي بأعمدة من غياب - تعودت أن لا أوقف الزمن اليباب -أن أهادن
فكرتي في البشر أن أتجمع في عين السحاب..
لكن وحتى أطمئنك صديقتي فإن الحزن كائن غير مؤذي لاسيما عندما يتحول بفعل المؤانسة والصداقة إلى جوهر الفرح ذاته! وهكذا تأتلق الذاكرة بالحزن ويبعث في الروح وهجا خلاقا، يبيحها لمواسم البقاء
المطلة بنوافذ الغيب المحكومة بيقين الألم المربك.
ما الذي تحقق لكِ في سنة 2007 ،و هل كانت حافلة بالنسبة لكِ؟
سنة 2007 كانت حافلة بالمحطات الوقف بالنسبة لي حيث شاركت في برنامج "إقامات الإبداع" في طبعته الأولى رفقة الشاعرة العراقية منال الشيخ، ثم الأسبوع الثقافي الجزائري بدولة الإمارات العربية
المتحدة، فالأسبوع الثقافي لولاية قسنطينة في إطار تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربية 2007
في البدء كانت الكلمة وفي الختام تكون أيضا الكلمة؟
وما بين البدء والختام تكون الكتابة، حالة الحب، مقياس- ريختر - المباغتة الهطول، ثم التردد بأرض الحلم الأولى والأخيرة، الكتابة ذلك الفرح الغامض الذي أتساءل دائما: كيف أرسمه؟
كتبها اليوم الأدبي في 10:20 صباحاً ::
