
الكتابةُ طورٌ من رؤية العالم وإعادة تلوينه
في هذا الحوار تتحدث الشاعرة فاطمة ناعوت وهي من أهم الأصوات الشعرية حاليا في مصر، عن ديوانها "قارورة صمغ" الفائز بجائزة هونج كونج لعام 2006 في نسخته الإنجليزية والصينية، كما تتحدث
عن ديوانها الصادر في بيروت والموسوم بـ: "هيكل الزهر" الذي حاولت من خلاله "التلصّصَ" على الناس وكتابة نصٍّّ عابرٍ للذات منطلقٍ نحو الموضوع. للفرار نحو الأرحب –الأبعد-الأجمل-
الأوسع.
حاورتها: نوّارة لحرش
تمت ترجمة ديوانك "قارورة صمغ" الفائز بجائزة هونج كونج لعام 2006 إلى اللغة الصينية (بالإضافة إلى الترجمة الإنكليزية)، ماذا يعني لك هذا تحديدا؟
فاطمة ناعوت: ترجمة قصائدي إلى الإنجليزية ليست تجربة أولى بالنسبة لي، بل أن لديّ ديوانًا كتبته رأسًا بالإنجليزية عنوانه "Before the School Shoe Got
Tight". الجديد هو الترجمة الصينية. وهو أمر مبهج. ليس لكونها لغةً قصيّة إلى حدٍّ ما عن عالمنا العربي، بل لما أحمله داخلي من افتتان واحترام عميق لهذه العوالم الجنوب شرق آسيوية. ذلك
الجنس الأصفر الذي أعدّه أرقى أجناس الأرض وأكثرها استحقاقًا للحياة. كونها فهمتْ فكرة الحياة على نحوها الصحيح. أدركوا جوهر الإنسان ومغزى وجوده وخلقه. شعوبٌ تعمل وتنتج ولا تستغرقها
الصغارات التي استهلكت حيوات شعوب أخرى. حتى ولو كانت هذه الصغاراتُ حروبًا أو استعمارات بلاد أخرى أو محاولة تسييد ثقافة ما أو سياسة بعينها على الجوار. الصينُ عندي دولة شديدة الرقي
والاحترام وجديرة بسيادة هذا العالم، وهذا ما أحدس به وشيكًا.
ما الذي يمكن أن تضيفه هذه الترجمة لك ولشعرك غير مثلا قارئ آخر بلغة أخرى؟
لا شيء يضيف إلى الشاعر أو ينتقص منه سوى نصٍّ جيد أو نص رديء يُحسب لتجربته أو يُحسب عليها. ونجاح الشاعر عندي لا يُحسب بعدد قارئيه زيادةً أو نقصانًا، بل بحجم ما تضيف تجربته لحركة
الشعرية المواكبة لحضوره الفيزيقيّ.
ما معنى أن يتواجد الشاعر في أكثر من مناخ- في أكثر من كون، يعني في أكثر من لغة؟
معناه أن يظلَّ أبًا شرعيًّا لما خطّته يسراه (لأنني عسراء)، وأن يقبل أن يكون أبًا بالتبني لما خطّه الآخرون فوق نصّه. أبو حيّان التوحيديّ يقول: "الكلامُ على الكلامِ صعبٌ". وأضيفُ: والكتابةُ على
الكتابةِ أصعب.
جاء في تقرير اللجنة التي منحتك جائزة هونج كونج: "الشاعرة فاطمة ناعوت غير مشغولة بالأنا بقدر انشغالها بهموم الآخر سيما المهمشين منهم"، برأيك أليس الشاعر أكثر الناس انشغالا بالأنا حتى وهو
يحكي عن الآخرين، عن المهمشين، عن الذين يقطنون هامش الحياة و هامش الفرح وهامش الأمل؟
الشاعرُ، والإنسانُ بعامة، لا ينفصلُ عن أناه ولا يستطيع ذلك. فالشاعر يرى الكونَ من خلال عين "أناه" أو ذاته. المقصود بتقرير اللجنة هو أن الشاعرةَ لم تُغرق قصيدتَها في مشكلاتها الشخصية الضيقة،
مهما اتسعت، بل فتحت مخروطها على مشكلات الآخر الكبير. والمهمشون المقصودون في الكلام هم نقيضُ البطل الكلاسيكي. أولئك الذين نسيتهم الحياةُ ولم تسلّط الضوءَ عليهم ظنًّا (خاطئًا) منها أنهم
غير فاعلين. هذا الظن الخاطئُ أسقطه الخطابُ ما بعد الحداثي، الذي حطّم السلطة الواحدية وأسقط البطلَ من عليائه وأعاد الاعتبار للمنبوذين والتعساء كونهم "ملحَ الأرض" بتعبير غاندي. التقرير يقصد
أنني استبدلتُ بصلاح الدين بائعةَ الجوارب على الرصيف، وعبيطة القرية التي ينهرُها الناس، والإسكافيّ، والعمياء، والطفل المعاق، وسواهم. سوى أنني لم أكتب عنهم من منطلق الراصد بقدر ما تلبست
شخوصهم. فأنا أحمل في داخلي، وكلُّنا يحمل، عبيطَ القرية والطفل المعاق والأعمى والكسيحة، وغيرهم من غير الأسوياء، ظاهريًّا. كلٌّ منا به جزءٌ معطوب، وربما هذا الجزء هو الأكثر دينامية وتفعيلا
لسلوكاتنا. كل ما أفعله أن أُخرج هذه النقائص من داخلي على الورق. لم تغرني الشخصياتُ المبهرة الضوء بقدر ما فتنني السحرُ و"الاكتمال" النابضُ في هذه الشخوص المأزومة. كمالُ الجمالِ هو في
النقص وليس في الاكتمال.
صدر لك عن دار النهضة العربية في بيروت ديوانك الخامس الموسوم بـ: "هيكل الزهر"، ما الذي يميز ديوانك هذا عن مجاميعك الشعرية السابقة؟ ما الذي جاء به شعرك في هذا الديوان للآخر..
للأنا.. للمهمشين... للحالمين، أيُّ زهرٍ قدّمه للحياة؟
حاولت في ديواني الخامس أن ألج مناطقَ جديدةً على تجربتي، وأن أطرّح من قصائدي معاجمَ وتيماتٍ ميّزت تجربتي السابقة. ديواني الثالث "قطاعٌ طوليّ في الذاكرة" مثلا، حفل بالمعجم الهندسي فكان
تجربتي التي أختبر فيها مدى "شعرية" أو "لا شعرية" المفردة. هل كلمات من قبيل "الخرسانة- المقطع الطولي- اللبشة- جسّات التربة- البَنّاء- الشاحوطر- المونة- الطوب والزلط
والرمل والأسمنت والبلاط ولوحة التصميم المعماري" الخ، هل تخلو من شعرية لأنها نقيضُ المعجم الرومانتيكي الأنيق الذي جُبل منه الشعر مثل: "القمر والنجوم والوردة والطائر والشجرة والغيمة
والفردوس"؟ هذا الديوان أثبت، لي على الأقل، العكس. وتأكد ذلك عبر القراءات النقدية التي تناولته بأقلام نقاد مائزين مثل د. صلاح فضل وسواه. في ديواني الأخير حاولت أن أنصت أكثر للحياة.
لصوت الآخر. خرجتُ أكثر من داخل شرنقتي الفيزيقية والمكانية والزمانية "لأتلصّصَ" على الناس وأكتب نصًّا عابرًا للذات منطلقًا نحو الموضوع. هذا لا يعني أنني أرى الذات والموضوع متنافرين، بل
هما واحدٌ صحيحٌ لا يتجزأ. لكنها محاولة للتحرر من أسر الذات المكبِّلة لنا من أجل الفرار نحو الأرحب. سنرى إن كُتب لتجربتي النجاح أم لا.
في بعض نصوص "هيكل الزهر" هناك نوع من لهجة الفقد، حالة الفقد المعنوية التي تتلبس الشاعر عادة... هل هي دوما سلبية، أليست في بعض الأحيان إيجابية ومجدية وثرية،على الأقل على صعيد
الإبداعية والشعرية؟
الفقدُ ديدنُ الوجود وصنو الإنسان منذ الأزل. والفقدُ أوسع من فقد الأحبة والأهل والماديات. فقد الهوية، فقد المبدأ، فقد الحريّة، فقد القيمة، فقد المقدرة على التعبير وهلم جرا. والفقدُ مادةُ الشعر الأولى
وماؤه وخصب طميه. فقد الموجبات مؤلم، لكنه خالقٌ القصيدة. الذي لا يفقد، أعني الذي لا يشعر أنه فقد، لا يرسم ولا يكتب شعرا ولا يغني ولا يرقص. نحن نرأبُ صدوع أوراحنا بالفنّ. لذلك أهلا
بالفقد الذي يخلقُ القصيدة، ولو عبر معابر الوجع.
مثلا قولك: (" أجملُ المعزّين الذين يغيبون" أو قولك: كانت ابنتي خرساءْ يفزعها ضجيجُ العرباتِ والضوءْ -فلماذا تركتموها حتى تموت كثيرا)... كل هذه الكلمات تشير إلى حالات كثيرة من
الفقد؟ فهل الفقد المتعدد المتمدد قدر الشاعر أيضا؟
الفقدُ كما أسلفتُ قدر البشريّ منذ ولج الأرض. وهو المعبر الأول نحو أحد دربين: إما الموات والألم والانخراط في الكآبة، وربما العدائية والعدمية والشر، وإما الفنّ والإبداع والخلق.
برأيك متى يتخلص الشاعر من حالات الفقد؟ أم هي ضرورية لحالة الشعر؟
لن يتخلص منها إلا بانتهاء أجله. لكنني أود أن أميّز بين أمرين. كل إنسان يفقد. لكن ليس كل إنسان يشعر أنه فقد. هنا الفرق. الشعور بالفقد هو خالق الفنّ أو حتى خالقُ الخطورة والشر. بعض
الناس يفقدون ولا يشعرون أنهم فقدوا، ومن ثم لا يؤثر الفقدُ عليهم سلبًا أو إيجابًا. وهذا برأيي لونٌ من الموات. أليس انعدامُ الشعور مواتًا؟
كيف هي نظرتك للحياة من خلال الشعر؟
الشعرُ يجعلك تنظرين (في) الأشياء وليس تنظرين (إليها). الشعرُ يجعلك تنصتين إلى العالم على نحو متخلف. ليس بالضرورة على نحو "أدق"، بالعكس، فالشعراء عادة تمرُّ عليهم أمورٌ لا تمر على
طفل صغير، لكن النحو المختلف الذي أقصد، هو مقدرة الشاعر على رؤية ما لا يراه الآخرون، ربما لأنهم ينظرون في عمق الأشياء كما أسلفت وليس إلى ظاهرها. الشعرُ يجعلك تحبين الورقةَ الجافة والنملةَ
والحذاء، والفِطرَ الذي ينمو في حديقتك دون سبب، وكسرة الخبز المرمية جوار الحائط بإهمال، الشعر يجعلك تتصالحين مع كل الموجودات وترين فيها كائناتٍ حيّةً تفكر وتتألم وتحب وتموت. يمكنك بالشعر أن
تحبي الأشياء القبيحة. التي قُبحها جبّلةٌ وليس صُنعًا. لن أحب السفاحَ والشريرَ لأنه يصنع القبح، لكن بوسعي أن أحبَّ الغرابَ والدودة التي قبحُها قدرٌ مقدور لا ذنب لها فيه. نحن نكره البعوضةَ لأنها
تزعجنا، لكن إزعاجها لنا هو منهج حياتها، نحن كبشر لا نخطر ببالها أصلا وهي تقوم بإزعاجنا، فهل نكرهها لأنها فقط تحاول أن تعيش؟ عندي قصيدة مثلا تناجي ذبابةً، تقول:
" في هذه الكُرَةِ وحدَها- ستُّ قاراتٍ وصحارى وسماواتٌ ومسطحاتُ ماء- وكُراتٌ في البعيد يسمّونها مجرّات- فلماذا تحوّمينَ حول مكتبي- وتفكرين في الوقوفِ فوق أنفي؟- هل تظنين خلوَّ بيتي
من مبيدٍ ومِضرَب- يعني أننا صديقتان؟ نعم صديقتان."
العديد من الكتب في الترجمة والدراسات إلى جانب المجموعات الشعرية، ماذا تعني لك هذه الإنجازات؟ وهل يمكن اعتبارها بعضا من انتصارات الكتابة؟
تعني أنني أعيش، ومازالت قادرةً على رؤية الحياة والإنصات إلى ضجيجها. الكتابةُ ليست انتصارًا أو هزيمة. الكتابةُ طورٌ من رؤية العالم وإعادة تلوينه بألوان جديدة كسرًا للعادة والاعتياد التي تعدّ العدو
الأول للإنسان. لا شيء يعتمُ إشراقَ الحياة إلا الاعتياد، والشاعر يحاول عبر قصيدته، كما التشكيلي عبر لوحته، والنحّات عبر تمثاله، أن يعيد للحياة ماءَ التحوّر والتجدد حتى تظل جميلة.
علامَ تشتغلين الآن؟
انتهيت من إعداد كتابي النقدي "المُغنّي والحَكّاء"، الذي أتناول فيه بالنقد الانطباعي عددا من الأعمال الشعرية والسردية. ومازلت أبحث له عن ناشر. وهو اختبار حول إمكانية "الكتابةُ على الكتابة"، مثل
"الكلام على الكلام" حسب التوحيدي. كيف يقرأ المبدعون المبدعين؟ كيف يقرأ الشاعرُ قصيدةً لم يكتبها؟ كيف "يتلصص" مبدعٌ على حقل مبدع آخر؟ أفضّلُ المقارباتِ النقديةَ التي يكتبها مبدعون، عن
تلك التي كتبها نقادٌ أكاديميون، لأنك في الأخير لن تعدم قطعةً أدبية نقدية كأنها نصٌّ موازٍ للنص محلّ النقد. المبدعُ بالأساس هو قارئٌ. قارئٌ فوق العادة. لأنه متورّطٌ في مطبخ الإبداع وعالمٌ ببعض
أسراره. فكيف يقرأ هذا القارئ فوق العادة إبداع الآخرين؟ تلك هي فكرة كتابي "المُغنّي والحَكّاء". وأما "المُغنّي" فهو الشاعر، وهو القسم الخاص بمقالاتي حول بعض الدواوين التي أحببتها. وأما
"الحَكّاء" فهو الروائي أو القاص أو المسرحيّ، وهو القسم الخاص بمقالاتي حول بعض الأعمال السردية النثرية. ومازلت أعمل على ترجمة فرجينيا وولف التي ستصدر عن المشروع القومي للترجمة
بالمجلس الأعلى للثقافة في مصر. كذلك أوشكت على الانتهاء من كتاب بورتريهات شخصية عنوانه "الرسم بالطباشير"، ليكون رديفًا لكتابي السابق "الكتابة بالطباشير".
في الأخير لطابشيرك أن يرسم أو يكتب أو يغرد كلمته التي يشاء
في الأخير أشكركِ يا نوّارة الأدب والصحافة على هذا "التشريح" العقلي الروحي الذي تجيدينه بالفعل.
كتبها اليوم الأدبي في 08:50 مساءً ::
