قد يكون الوضوح أشد حالات الغموض
محمد بن عيسى, شاعر يكتب بصمت ويشتغل بعيدا عن الأضواء. هادئ في انطباعاته وتأملاته وكتاباته. وهو صاحب تجربة شعرية بدأت نهاية الثمانينيات، يميل إلى الكتابة المعمقة معنى ولغة, مع وعي تام بالواقع الثقافي المحيط، سبق له نيل عديد التشريفات الأدبية الوطنية. ينفتح هذه المرة على قراء "اليوم الأدبي" لفضح جزءا من هواجسه, غربته الإبداعية وتجربته الشخصية.
حوار: هبة ياسمين
تمتاز نصوصك بانغماسها في فضاءات شعرية مفتوحة لا تعترف بمنطق وحدة الموضوع في القصيدة كما تهتم كثيرا بالبحث عن تجديد اللغة الشعرية من خلال كسر النمطية المعروفة عند كثير من الشعراء المعاصرين؟
إن وحدة الموضوع في القصيدة لا تتنافى مع الفضاءات الشعرية المفتوحة، باعتبار أن الموضوع الواحد قد يكون مركب بعدة مواضيع وحالات، فالمبدع هو مجموعة مواضيع أما وحدة الموضوع فهي بواسطة مجموعة من الصور كما قال (غاستون باشلار)، وهناك من يعتبر أن الفن موضوعه الإنسان الموحد بمجموعه من الحالات وجملة من المواضيع .
فقصيدة الموضوع الواحد بالمفهوم الضيق أشعر أنها لا تعنيني ولا تسعني وهي أضيق من أن يتمدد فيها كاتب قلق مثلي فالموضوع الواحد بهذا المفهوم عندما يستحوذ على النص وتقدس وحدته فإن الشاعر يطفو جثة هامدة فوق حبره والموت نهاية متوقفة وموضوع مغلق والمتلقي يتوقع ما تؤول إليه الأمور بعد ذلك، ثم إن القصيدة المفتوحة تقتضي صورا ومشاهد بإيقاع جمالي وتواتر حسي يختلف من صورة إلى أخرى كما يقتضي لغة تستوعب اللون والطقس والفكرة في كل مشهد وتكسر النمطية والرتابة والقوالب الجاهزة.
إن النصوص الخالدة والشاهقة والواقفة دوما هي النصوص ذات الفضاءات المفتوحة والنفس المتجدد في كل آن فهي تتيح للمبدع أن تظهر لمسته في المدهش وبصمته في المبهر ونبرته في المذهل وعمق فكرته وتصوره الغريب حقا والمقنع جدا والجديد الجميل المفاجئ فعلا وفي النهاية إن الفن لا يحتمل وحدة قياس معينة فالشعور بالحرية كحافز والإلحاح عليها يستدعي أنا تمارس هذا الشعور في فضاءات أوسع أثناء عملية الكتابة والإبداع.
كثير من النقاد يعبرون عن هذا التوجه بإفلاس الشاعر الذي لا يتوان عن التحجج بضرورات الحداثة للتعتيم عن الخلل الداخلي؟
لعلك تلاحظ بجلاء التمرد على الحدود والنمط والشكل الواحد والموضوع المحدد والإطار المغلق في أغلب كتاباتي، فأنا أتوق أن أمارس حريتي في فضاءات أخرى شاسعة حتى وإن كانت جانبية داخل النص الواحد من خلال الصورة المفتوحة النوافذ.
فقد يكون الوضوح أشد حالات الغموض والعكس صحيح، ولا أسعى أن أبرر نفسي للآخرين لأن عملية الإبداع وحدها هي التي تبرر نفسها، بالإضافة إلى أن الفن لا يحتاج إلى تبرير، والنص الجيد هو الذي لم يكتب كما يقال، فالخلل الداخلي الوحيد هو القلق الدائم الناتج عن هاجس الإبداع والبحث عن توسيع آفاق التصور والثورة ضد الرتيب والعادي والمتخشب والمسطح على حساب الإيقاع والفكرة والتناسق والجمالية والشاعرية والانسيابية في مضامين النص.
فلمن تعطى الصدارة للإبداع أو للإلهام أو للصناعة أو للتقليد وبعيدا عن إشكالية الحداثة والتحجج بضروراتها لا يجب أن نغفل أن هناك شاعر يحمل قصيدة وقصيدة تحمل ناظم ومبدع يحمل رسالة، كما يجب أن لا نغفل أن اللغة تتطور بتطور أساليب التخاطب وتكنولوجيا التواصل والاتصال وحتمية الانفتاح على الآخر أدت إلى تفاعل تجارب البشرية مع بعضها وبالتالي تغير تصورات والذوق والحس الجمالي أيضا.
على خلاف كثير من الشعراء تتضمن نصوصك كثيرا من الطرح الوجودي هل يعبر هذا عن حالة قنوط؟
إن التمزق الداخلي والنزيف الذي لا يتوقف والدمع المختنق المعلق في الوجدان والفرح الذابل في الزمن المتهرئ والمتردي والواقع الدامس العاتم الأفق والانكسارات المتلاحقة تضطر الشاعر في كثير من الأحيان أن يفر إلى داخله كمنفى، ليوقد شمعة وسط إعصار قوي وظلمة قاتمة، تلاحقه حتى في ذاته وإن لم يقو على ذلك فهو يستنفر كل عوالمه ليصرخ بكل ما أوتي من قوة من خلال حبره، ثم قد تكون حالات الاكتئاب والقنوط حالات مشروعة في النص إذا فرضت نفسها على الكاتب، فأنشودة المطر عند السياب تحولت إلى تراجيديا المطر أو بكائية المطر، فالمطر الذي هو رمز الحياة والخصوبة يتحول عند السياب إلى فاجعة الموت والحزن والأسى.
وأخيرا نقول كما ذهب إلى ذلك "سارتر" الكتابة هي محاولة كشف العالم خاصة الإنسان للآخرين وعلى الآخرين أن يتحملوا مسؤولياتهم إذ أن العالم مهمة ملقاة على عاتق المبدع وحريته وبعده الآخرين أو بواسطتهم.
في مجموعة خسوف الحمام نلاحظ تكرار في وصف نفس المكان، هل هذا نابع من نوستالجيا شخصية أم كونك تؤيد منطلق النص الجيد يبدأ من إدراكه الشامل للبعد المحلي والإلمام بمختلف عناصره؟
ليس ثمة تكرار المكان بل أن البيئة التي يعيش فيها الشاعر حين تترهل فيها اللحظة ويتغصن فيها الزمن وتستبيحه الضلال ويفقد المكان ماهيته وجهاته ومناحيه ومعالمه، فإن المتحرك الوحيد هو الكاتب وقد ورد هذا في نص حديث الطيور:
لتأتي إذن
لغير هذا المكان الزمان الأسير
لغير هذا الأمام الوراء الأخير
وكذلك في نص (الحمام يرى) حين يتوقف الزمان ليمر المكان :
دلني عن منطق
غير هذا الذي
قد يستعاض
دلني عن بياض ضد هذا البياض
دلني عن مطلق
يخمد بؤسي
إذا ما الأزمنة
سكبت جثة المتنبي
بحة واقفة
إذ تمر الأمكنة
إن مركز العوالم ومرجعية الجهات لحظة الإبداع هو النقطة المضيئة في وجدان الشاعر وفي وجوديته وهي في الوقت ذاته المكان الأول الذي تنطلق منه أسراب الحمام محملة برسائلها، الحمام هو كائن مجنح ومسالم ورمز التواصل والسلام والاطمئنان والألفة وهو طائر مفتوح على الجهات والآفاق وهو بريد المبدع نحو الآخرين وفضاء بلا حمام نذير شؤم وطالع سوء على تواجد طلائع الغربان الزاحفة وأمواج الخفافيش المختبئة في الكهوف والعتمة التي تتحين الظلام، والحمام في الوقت ذاته هو رسول كلام ونبئ حب وبشرى الغريب للديار وبشرى الديار للغريب.
انتم احد الفاعلين في تحريك المشهد الثقافي بولاية المسيلة الذي صار يشهد مؤخرا فراغا رهيبا. برأيك, ما هي أسباب الركود الثقافي الذي تشهده كثير من الولايات الداخلية بالجزائر
قد يعود الجفاف الثقافي والفراغ الرهيب الذي تشهده الولايات الداخلية إلى سطوة المسئول المبرمج إداريا والمؤدلج حتى أسنانه والغريب فكريا وسلوكيا عن المثقف والمثقفين مما جعل دور الثقافة كهوف قاتمة تسكنها كائنات غريبة آخر من يرتادها هو المثقف ذاته كما ان الاعتقاد بان الثقافة ظاهرة مناسباتية وفرصة للمتملقين والانتهازيين والوصوليين ثم ان التكتلات بين النخب المثقفة والصراعات من دون طائل وسبب واضح حال دون تشكل رؤية موحدة في تشخيص الداء ورفع الغبن عن المثقف فهل يعقل مثلا ان يحصل لاعب كرة قدم بائس على مبالغ خيالية في حين يكرم شعراء الولاية الذين صدرت لهم أعمال بهواتف نقالة من نوع موتورولا بائسة
شاعر وحامل لشهادة جامعية في العلوم الدقيقة، من أثّر بداخلك أكثر عن الآخر, الشعر أم العلوم الدقيقة? أم أن هناك حالة عدم انسجام بين الاثنين؟
امتنع عن الإجابة وفي النهاية لا يفوتني ان أشكركم على هذه الدردشة كما لا يفوتني أن احيي أساتذة وعمال وإداريي مؤسسة ابن خلدون وعلى رأسهم سيادة المدير الذي لقيت منه من عناية كافية حين كنت أمر بظروف نفسية صعبة .
كتبها اليوم الأدبي في 08:12 مساءً ::
علي نحت القوافي من منابعها ........ وما علي إن لم تفهم البقر
:)
