الشعر مازال إلى الآن هو رأس الحربة في الإبداع
عاشور فني.. أستاذ جامعي.. اشتغل على مجالات عديدة في الاقتصاد بما يتعلق بالصناعات الثقافية.. نشر بعض مقالاته في مجلات علمية في الجزائر وخارجها.. نشاطه الأساسي في المجال الأدبي يتمثل في الشعر.. شارك في العديد من النشاطات الشعرية في الجزائر والعالم الغربي في فرنسا وبريطانيا وكندا وكولومبيا وبعض البلدان العربية ومن بينها مسقط، الصحفي إيهاب مباشر أجرى حديثا مطولا مع الشاعر عاشور فني، نشر في مجلة «أشرعة» العمانية، وننشر فيما يلي مقتطف مطول منه بالاتفاق مع الشاعر:
حاوره: إيهاب مباشر
الإبحار والغوص دائما ما يكون بحثا عن اللآلئ والنفائس.. هلاّ أبحرت بالقارئ في تجربتك الشعرية وما مثلته لك من محطات في حياتك الإبداعية؟
في ما يتعلق بالشعر، أعتقد أنه كان في الحقيقة وسيلتي في التكيف مع الحياة، لم أكتب الشعر للمساهمة في النشاط الثقافي أو للظهور على الساحة الأدبية والإعلامية في الجزائر، أما التجربة الشعرية فكانت بالأساس تجربة في الحياة. أحب أن أعود إلى الفترة التي بدأت فيها كتابة الشعر وهي الفترة التي عدت فيها من سفر طويل، وقد وجدت بعد هذه العودة صعوبة في التكيف مع مدينتي التي كنت أعيش فيها، وكان نتيجة لذلك أنني في ثلاثة أشهر كتبت حوالي خمس قصائد وهي تعتبر مرحلة خطيرة جدا في حياتي، لأنني فيها كان عليَّ أن أقرر ما إذا كنت سأستمر في هذا أم أبحث عن عمل ما في المدينة وكنت آنذاك شابا ولكنني تريثت كثيرا في اتخاذ قراري وسمحت للتجربة أن تأخذ حقها ومداها في ذاتي وفي شخصيتي وفي تكويني. بعد ذلك وبعد شيء من النضج والاقتناع، كان عليَّ أن أنتقل عبر مدن جزائرية عديدة، ومن ثم الاستقرار في العاصمة، وهناك التقيت بمجموعة من الشعراء والمبدعين في مجالات عديدة، في الشعر والقصة وبعض الفنانين في مجالات فنية خاصة الموسيقيى والرسم. وهكذا بدأت تتشكل خيوط رؤية ثقافية، رؤية إبداعية مثقفة وليست قائمة على الفطرة فقط. وكان علينا أن نتعامل مع الكثير من التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية طيلة فترة الثمانينات، والتي انتهت بتغيرات كبيرة في الساحة العامة في الجزائر وفي نفس الوقت في الساحة الدولية ككل وانتهت فترة بكاملها، فكان علينا أن نعي تلك التحولات وأن نساهم فيها بأفكارنا وإبداعنا وأن ننتهي فيها إلى خلاصات شخصية لكل واحد منا، وفي نفس الوقت خلاصات تسمح لنا بالمساهمة والاستمرار في الفعل الثقافي على المستوى الذاتي والوطني وأيضا على المستوى الدولي. نحن في فترة ما، كان الشعر من بين الفعاليات الثقافية المهمة جدا التي وعت هذه التحولات وأكثر من هذا قدمت رؤية للعالم، أعتقد أن الشعر في العالم في الوقت الحالي ـ على الرغم مما يقال من أن مقروئية الشعر تراجعت ـ إلا أن الشعر مازال إلى الآن هو رأس الحربة في الإبداع، هو في مقدمة الفعاليات الإبداعية في العالم، وأنه قادر على إعطاء رؤية وعلى تزويد البشرية برؤى إنسانية، برؤى عالية جدا وهو قادر على الارتقاء بالوضع البشري، بالوعي الإنساني في العالم ويمكن أن ينتج قيما جديدة، قيم الحضارة والتسامح والجمال وقادر على إيجاد فرص لتبادل هذه القيم والرؤى بل وتصحيح الرؤى وقادر أيضا على إيجاد علاقات ثقة بين الحضارات وبين الثقافات وبين اللغات.
«زهرة الدنيا» تمثل خلاصة تجربتك الحياتية والشعرية.. كيف توضح ذلك؟
يمكن القول فيما يخص تجربة المجموعة الأولى (زهرة الدنيا) أنها كانت في الحقيقة خلاصة لأربع عشرة سنة من الجهد والوعي والإبداع وهي تجربة كانت محل تطورات ضمن تجربتي الإبداعية وضمن المحيط الاجتماعي في الجزائر وبذلك كانت (زهرة الدنيا) خلاصة لتجربتي الحياتية والشعرية وأعتقد أنني انتقلت فيها من الحديث الخارجي لتجربتي وستجد هذا في قصيدة (تمرين بي) وهي وصف خارجي أو ـ إلى حد ما ـ الحديث الخارجي عن التجربة، انتقلت من هذا إلى الحديث عن التجربة الداخلية ـ وستجد هذا في (الكروان) وفي (اقترابات) ـ (من الحديث عن التجربة الخارجية إلى ما هو أعمق في الذات وإلى ما يحدث في الذات الإبداعية، ما يمكن أن يكون محلا للتطور أو لتغيرات داخل الذات نفسها، داخل الرؤية، وأعتقد أن (زهرة الدنيا) حملت كل هذا. الآن وأنا أعود إلى قراءة (زهرة الدنيا) في بعض الأحيان أجد فيها رؤى وطريقة تفكير وكيفيات، كيف كنت أرى الأشياء يوما ما، ويمكن أن نأخذ أي عنصر من العناصر ونقول كيف تطور وضع هذا العنصر في قصائدي المختلفة، هذا ما يتعلق بتجربة (زهرة الدنيا). أعتقد أن في زهرة الدنيا قصيدتين تعتبران مفصلين أساسيين، كانتا مرتبطتين بتطور رؤيتي في الشعر وفي الحياة، وانتقالي إلى المرحلة التالية لم يكن مفاجئا ولكن في نفس الوقت كان ينمو اتجاه آخر وهو ما تم ضمن (رجل من غبار) لأن (رجل من غبار) بدأت أكتبه قبل أن أنتهي من (زهرة الدنيا) وظلت معي هذه التجربة خمس عشرة سنة، وهو عبارة عن خلاصة مكثفة لتطور رؤية وتطور حياة وأعتقد أن هذا الكتاب يجمع بين الخطين معا الخط الفكري والخط الرؤيوي. دائما ما يرتبط الخط الفكري بالحياة العلمية والثقافية أما الخط الرؤيوي فهو مرتبط بتطور الذات..
وقد جمعت بين الخطين كما أسلفت بإحدى تجاربك.. فماذا يعني ذلك بالنسبة لعاشور فني؟
هذا يعني أنني نجحت في ألا يكون أحدهما على حساب الآخر، ألا تكون العملية الإبداعية فارغة المعنى، وألا يكون الإبداع مجرد كلام عقلي مرصوف خال من الإبداع، وأعتقد أن هذا خلاصة تجربتي. وقد بدأت مرحلة كان فيها انفتاح أكبر على التجارب العالمية وهي مرتبطة بشيئين أساسيين أولهما الترجمة وثانيهما الأسفار والمشاركة في الملتقيات الدولية وثالث الأمور وهو ما كان ثانويا وهو البحث، وفي الحقيقة أن الترجمة سمحت لي بأن أتعرف على حقل لم أكن أوليه العناية الكافية من قبل، فترجمة الشعر ليست مجرد ترجمة أدبية أو ترجمة لغوية، بل الترجمة من لغة إلى لغة أخرى تؤول في نهاية المطاف إلى الترجمة من ثقافة إلى ثقافة ومن حضارة إلى حضارة ويتطلب الأمر أحيانا إدراكا للأبعاد الحضارية والثقافية حتى يمكن أن تكون الترجمة وافية، أما الأسفار فقد سمحت لي بأن أتعرف على ما يجري في العالم من مجالات التطور الأساسية في الشعر بالذات وكيف أن الشعر في الوقت الحالي في بلدان أخرى في فضاءات ثقافية أخرى كنا نظنها ثقافات صناعية ومعادية للشعر ومعادية للإبداع، رأينا كيف أن الإبداع يزداد كلما ازداد التطور الصناعي والثقافي والتطور الحضاري عموما، وكيف أن الشعر مرتبط بالحضارة وليس خاصا بالبدو أو البادية أو المستويات الحضارية البسيطة، وهنا ترسخت لدي فكرة أن الشعر شيء أساسي في الحياة وليس تعويضا عن الحياة، فالشعر هو الخط العميق، هو الجانب العميق في الحياة، ولذلك فهذا الجانب الخاص بالمشاركة في الملتقيات الدولية واللقاء مع شعراء من حضارات مختلفة سمح لي بالتعرف على تجارب عديدة وسمح لي بتوسيع رؤيتي للشعر ورؤيتي لعملي الشعري. والجانب الثالث وهو ما صنفته بأنه ثانوي ولكنه انتهى بي إلى شيء خطير جدا وهو البحث، ففي الحقيقة كنت من بين ما كنت أبحث عنه لغرض ذاتي يتعلق بتطوير رؤيتي وقدراتي الإبداعية وهو جانب متعلق بالصورة وهو وظيفة الصورة في القصيدة، هذه قادتني إلى شيء من البحث في مجال الصورة وانتهيت إلى اكتشاف شيء لم أكن أوليه أهمية كبيرة وهو أن الشعراء التصويريين الأميركيين، اعتمدوا في تطوير رؤيتهم وبلورة نظريتهم الفلسفية والإبداعية على شعراء الهايكو اليابانيين الذين طوروا نظرية إبداعية تعطي أهمية كبيرة للصورة داخل القصيدة، وقد انتهت هذه الفترة وغاب الشعراء التصويريون وبقيت التصويرية مذهبا. وهذا أيضا سمح لي بأن أكتشف حتى في قصائدي وفي أشعاري أنني لم أكن غريبا على هذا وأنني كنت ـ إلى حد ما ـ أستلهم نماذج إبداعية لم تكن رائجة في قصائد الشعر العربي الحديث، وفي الحقيقة اكتشفت في يوم ما،وهذا بفضل شاعرة يابانية أن الشكل الذي كتبت عليه (رجل من غبار) هو قريب جدا من بعض أشكال الكتابة الشائعة في اليابان، وأعتقد أن هذه الشاعرة كانت تنظر إلى القصيدة باعتبارها هندسة، وعندما رأت مجموعتي الشعرية وكيفية توزيعي لشكل الكتابة، وهي لا تعرف العربية، فقالت إن هذا يشبه كتابة الهايكو، وأشكال أخرى ذكرتها في القصيدة اليابانية.
هذا يعني أنك كتبت قصيدة الهايكو دونما قصد منك؟
بل بعض تقنيات قصيدة الهايكو وأثناء ذلك بدأت في تجربة تتعلق بموضوع جديد بالنسبة لكتاباتي وحاولت استخدام الشكل الذي اكتشفته ابتداء من (رجل من غبار) وربما من قصيدة (الكروان) وهي القصيدة المبنية على مقاطع متتالية، لو أخذ كل مقطع على حدة لكان كافيا ولكن حينما يوضع ضمن المقاطع الأخرى يكون أعلى وأسمى وأجمل وينتهي في نهاية المطاف إلى قصيدة، في (أعراس الماء) كان موضوع الماء غائبا إلى حد ما في قصائدي، في تجربتي الشعرية كما هو في تجربتي الحياتية توجد التربة والخضرة والأزمنة من صباح ومساء خاصة الليل وتوجد النجوم وكل الأماكن، ولكن قلما تجد المساحات المائية الشائعة، أعتقد أن هذا أحد الموضوعات التي أدت إلى تطوير طريقتي في الكتابة، حيث إن الكتابة في موضوع محدد وهو موضوع الماء في فترة محددة كنت فيها أشتغل على ترجمة بعض كتب الشعر، سمحت لي بالتوسع في الكتابة وفي نفس الوقت التعمق فيها، حاولت قدر المستطاع أن أدخل عنصر الصورة وأن أركز في جوانب هذا الموضوع المختلفة وسمحت لي أيضا وهو ما لم أكن أتوقعه، أن أدخل جانبا آخر؛ شكلا من أشكال القصيدة لم يكن موجودا في قصائدي وهو الشكل النثري، فالكتابة النثرية لم تكن موجودة في قصائدي، بعد هذا حاولت تطوير تجربتي عن طريق الاستفادة من قراءتي واكتشفت أنني لم أكن غريبا عن هذا من قبل، فالهايكو يقوم على الاختصار أو هو نوع من اقتصاد الكلمة واقتصاد الكتابة، يقوم على فكرة أساسية وهي الحد الأدنى من اللغة مع خصوصيات معينة خاصة بكتابة الهايكو وهو الالتزام بموضوعات معينة وبشكل معين، وهذا لم يكن يعنيني وإن ما كان يعنيني هو هذا الجانب وهو الاقتصاد الشديد والاعتماد على أقل قدر ممكن من الكلمات في القصيدة.
الزمان والمكان جناحا المبدع يحلق بهما أنى شاء في فضاء إبداعه.. فهل لنا أن نعرف منبعهما وحضورهما ومرافقتهما وامتدادهما والاتساع عند الشاعر عاشور فني؟
بالنسبة لزمان ومكان الإبداع فإنني أعتقد أنه يمكن أن نجمعهما في شيء اسمه الفضاء الزماني والمكاني، هذا الفضاء يمتد إلى مراحل عديدة وفي اتجاهات عديدة، وبالنسبة لي فإنه ينبع من الطفولة ولا أرى لحظة أو نقطة معينة، فكل ذلك العالم بمكاناته وفضاءاته وأزمنته العديدة أيحضر أثناء الكتابة، كما يمتد إلى مرحلة أخرى أو فضاء آخر وهو فضاء القلب وكيف يتغير أو يتحول ويتسع ليشمل الآخرين جميعا وينزع نزعة عالمية في علاقات مع أشخاص وأصدقاء وصداقات وعلاقة بالآخرين. هذا أيضا هو اتجاه مهم جدا وهو اتساع داخل الفضاء الإبداعي.الجهة الثالثة في هذا الفضاء تمثلها القراءات والتأملات في المجال الثقافي وفي مجال تجربة الحياة، هذه الاتجاهات والأبعاد العديدة للفضاء الزماني المكاني ترافق المبدع، تتطور معه وتتسع أيضا بالإبداع وأعتقد أنه في أحيان ما وأثناء لحظة الكتابة، طبعا نكتب في مكان ما ونبدأ النقطة الأولى أو الخط الأول في لحظة ما وأثناء تلك اللحظة تحضر كل هذه الفضاءات مجتمعة بما فيها من ماض، وتحضر أيضا بعمقها الحالي، بالفضاء الحالي كما هو موجود بأصواته وبنأماته المختلفة وبروائحه، كل هذا يحضر كما تحضر أيضا احتمالات كل ما هو موجود في المستقبل.
وما الفضاءات التي تحضر في كتاباتك على وجه الخصوص؟
بالنسبة لي، ما زالت تحضر في كتاباتي أمكنة معينة منها قريتي (أم الحُلي) وتحضر أيضا منطقة أخرى كان من حظي أن عشت فيها وهي منطقة جنوب الجزائر، موطن الطوارق وهي أيضا موطن قصيدتي، عشت فيه ومازال يعيش معي، أيضا تحضر المدن التي عشتها في الجزائر والمدن التي رأيتها في الخارج، أعتقد أن هذه الفضاءات المتعددة مازالت تؤثر في الفضاء الصغير الذي أكتب فيه وهو الصفحة، وأحيانا أتساءل، كيف يمكن لهذه الصفحة البسيطة أن تحوي كل هذا العالم وكل هذه الفضاءات بكل تنوعاتها وبكل ألوانها ؟! إنه شيء خطير جدا، صفحة بيضاء لا شيء فيها لكنها في المقابل فضاءات عديدة مترامية متراصة، متداخلة في بعضها، وأيضا مكتظة بالأصوات والأشياء والعوالم المختلفة، هذه كلها تحضر في لحظة الكتابة وتتزاحم وتتدافع، هناك نقطة أخرى وهي قراءة القصائد في المدن، أرى أن المدينة العربية في حاجة إلى مصالحة مع الشعر، فضاءات الشعر العربي القديم، فضاءات البادية وفضاءات القرية أحيانا، كما أن القصيدة تحتاج هي الأخرى إلى المصالحة مع فضاء المدينة.
يمكنكم للاطلاع على النص الكامل للحوار عبر الرابط التالي:
alwatan.com/graphics/2007/05may/8.5/dailyhtml/culture.html
كتبها اليوم الأدبي في 02:21 مساءً ::
