عن الأدب الإريتري المكتوب بالعربية.. إضاءة أولى

كتبهاالخير شوار ، في 27 يوليو 2009 الساعة: 19:11 م

منذ البدء لم أكن أملك اجابة محددة لكيفية ضم هذه الأسماء والنصوص المتشعبة والمتفرقة في أنماطها ومدارسها وأعمارها الإبداعية، وأتركها تستريح على مساحة واحدة حتى تتوسد ضفتي كتاب.. سيما وأن متوسط العمر بين بعضها البعض يتجاوز –أحيانا- الخمسة عقود، وما يفترضه ذلك من مسافات بدت لي شاسعة وعصية التطويع في إصدار واحد.

 

 

 

 

محمود ابو بكر*

 

 

لذلك بقى الحاجز قائما في الإختيار، عطفا عن تلك العوائق المتعلقة بطريقة الوصول للنصوص باعتبار أن مبدعيها لا تجمعهم سوى مفردة "الوطن" ويفترقون بعد ذلك في كل ما دونها.. جغرافيةً وفكرا ومدارساً أدبية، وأنماطاً إبداعية.

لذلك ولأسباب أخرى كثيرة ومتشعبة أتى الإهداء معبرا عن "الشعور بالتقصير"، تجاه أولئك المبدعين المتفردين الذين لم يشملهم هذا الإصدار، والذي لا مفر من الاعتراف بعدم شموليته كانطولوجيا تؤرخ "للأدب الاريتري المكتوب باللغة العربية "، بقدر ما هو محاولة لتقديم بعضا من تلك النماذج التي قد يجهلها القارئ العربي لعوامل مختلفة.

والواقع أن الأدب الإريتري في الأساس يتعدد في لغات كتابته بداء باللغات واللهجات المحلية (التجرنية - التجري - البلين - الساهو -العفر.. ) وهي التي تكتب بالحرفيين "الجعئزي واللاتيني، بالإضافة الى اللغة العربية التي تعد إحدى اللغات الرسمية والوطنية باريتريا.. فضلا عن بعض الإصدارات المكتوبة باللغات الأجنبية كالانجليزية والايطالية.

مما يتطلب ضرورة التأكيد على أن هذا الإصدار الأول لا يتعلق سوى بالنصوص المكتوبة باللغة العربية دون سواها، وهو الأمر الذي يعيد طرح الفرضية المتعلقة، بـ "الخصوصية"، التي يمكن أن تشكلها هذه النصوص في المشهد الأدبي العربي، في ظل سيطرة "المركز" على الهوامش في الثقافة العربية المعاصرة، - إن صح التوصيف - وفق الرؤية التي يطرحها الدكتور "كزافيا لوفان" الباحث المهتم بالحضور العربي والإسلامي في شرق ووسط إفريقيا وتحديدا على الصعيد اللغوي ( وهو احد أهم مترجمي الأدب العربي للغات الأجنبية، وبوجه خاص الأدب السوداني ).

حيث يرى ان هناك " في هامش الثقافة العربية ثمة أدب، وكتاب جيدون يكتبون باللغة العربية، ويتجلي ذلك في الصومال وإريتريا مثالاً. ..و أنوه بنموذج الكاتب الإريتري أحمد عمر الشيخ الذي اصدر مؤخرا رواية عنوانها ‘الريح الحمراء’ تتحدث عن المناخ الثقافي واللغوي في إريتريا ".

وإذا ما سلمنا بصحة نظرية "المركز والهامش " بكل ما تحمله من تجليات عملية فإن الأمر برمته لا يعدو كونه سطوة " بروز وانتشار" في مقابل واقع " العزلة " المفترضة، والتي يمكن تجاوزها - في اعتقادي - بإتباع وسائل نشر وترويج ناجعة سيما في ظل "الثورة المعلوماتية" الهائلة التي يعيشها عالمنا المعاصر، حيث لم تعد وسائل الإنتاج المعرفي والثقافي والفكري قاصرة على طرف بعينه.. وهذا ربما ما بدأ يتجلي، حتى على مستوى الترويج لأنماط إبداعية معينة ظلت محاربة من قبل بعض المدارس الكلاسيكية.. حيث ساهمت وسائط الاتصال الحديثة في ضمان الفرص المتكافئة لكل الأنماط الإبداعية.. وبالتالي فإن تجاوز الفرضية السابقة أضحى أمرا ممكنا.

ليبقى الفيصل دوماً للإبداع بصرف النظر عن كل الإشكاليات النظرية والشكلية التي ظلت تحجب الغابة بظلالها الكثيفة.

ودون البحث عن "مشاجب" مناسبة لتبرير " العزلة " التي –ربما- عانى منها الأدب الاريتري المكتوب بالعربية لسبب أو آخر ( باستثناء بعض الأسماء التي أفلتت من ذلك الواقع )، فإن الأمر الذي يستحق البحث والدراسة -في اعتقادي -يتعلق بمحاولة دراسة المنتج الأدبي الاريتري، وقراءته بروح نقدية مجردة، أخذاً في الإعتبار السياق التاريخي الذي ساهم في إفرازه بهذه الصورة، لغةً ووجدان، سيما وأنه نتاج مجتمع يتنفس التنوع والتعدد الثقافي واللغوي، والذي تنازعته تاريخياً عدد من الثقافات والحضارات التي اسهمت بدورها في صقل وإثراء التجارب الفنية المختلفة، بدءا بتأثير الأبعاد القيمية والعقدية وحضور الأساطير، والفنتازيات والحكايا، في المخيال الأدبي، وليس انتهاءا بالقاموس الشعري، والايقاعات الغنائية والفنية المتعددة الطبقات.

وهي العوامل التي لها حضورها حتما في الموروث الشعبي الباذخ والثري بالتعدد حيث للتاريخ حضوره دوما في " اي منتوج ادبي - فني، بما يحمله من معاني ومن تجارب وقيم انسانية ذات الدلالة السامية.

والواقع أن المشارب المكونة "للتجارب الأدبية" الاريترية عبر التاريخ، تشير الى تعدد الروافد والمناهل التي لا تنتمي الى "ثقافة" احادية الطابع، بقدر ما تنتمي الى حضارات انسانية متعددة تفاعلت وانصهرت في بعضها البعض في هذه المنطقة من البسيطة.

حيث تشير الدراسات التاريخية، أن انهيار سد مآرب باليمن القديم، في القرن السادس قبل الميلاد قد دفعت افواجا من البشر الى النزوح نحو المناطق التي تشكل دولة اريتريا الحالية، حاملين معهم لغتهم العربية، بكل ما تشكله من مضامين ثقافية وانماط حياتيه لم تكن معهودة في "الوطن الجديد" من أساليب الزراعة على المدرجات الجبلية الى غيرها من الوسائل المعبرة عن ثقافة مختلفة، لتصب في الوعاء الثقافي للواقع الجديد وتشكل رافداً حضاريا جديدا، في تزاوج وامتزاج ثقافي نادر الحدوث في ذلك الوقت المبكر من التاريخ.

لتأتي "الهجرة الأولى" لصحابة الرسول الكريم في العام الخامس للبعثة المحمدية، نحو المرافئ الاريترية حيث بني اول مسجد للإسلام في منطقة "رأس مدر " بمدينة مصوع الحالية، وتلك الحفاوة التي استقبل بها الدين الجديد (الإسلام ) وانتشاره بشكل تلقائي يتصف بالسماحة والقناعة العقدية في الضفة الغربية للبحر الأحمر، كل ذلك ساهم في هذه التعددية الثقافية وامتداداتها الراسخة لغةً وثقافة انسانية وقيمية.

لذلك لم يكن غريبا أن تكون "اللغة العربية " هي احد المكونات الأساسية للثقافة الإريترية، وامتدادها الحضاري والإنساني. .فضلا عن كونها "اللسان الفصيح" لأحد التشكيلات القومية الإرترية الحالية، بالإضافة الى اعتبارها منذ بدايات الحركة الوطنية الارترية في منتصف القرن الماضي، احد اللغات الرسمية لإرتريا المستقلة.

ونهدف من خلال هذا التمهيد وضع القارئ العربي امام الواقع التاريخي للثقافة الارترية التي قد لا تبدو لديه واضحة المعالم كما ينبغي، لأسباب متعددة، أهمها شح النتاج الأدبي المكتوب بالعربية، فضلا عن "الإشكاليات " المتعلقة بالترويج والنشر، والتي ساهمت بدورها في "عملية العزلة المفترضة "، مما كرس واقع الغياب النسبي عن المشهد الثقافي العربي.

وربما للعامل السياسي حضوره، حيث من الواضح أن هذا المدخل لا يزال يسيطر في التعاطي مع الأدب الاريتري من قبل بعض الجهات المعنية بالنشر.

وبإعتبار أن أي عمل أدبي- فني، هو ابن بيئته وسياقه التاريخي، فإن ما لا يمكن انكاره – في الان ذاته - هو أن للمعطي السياسي تاثيرا تاريخيا – واضحاً- في العملية الإبداعية الإرترية، بكافة اشكالها، في وطن سكبت فيه الكثير من الدماء لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن –هي فترة الكفاح المسلح – من اجل الإستقلال، فضلا عن عشرة عقود من النضال السياسي في سبيل صيانة الكرامة وتحقيق الهوية الوطنية.

لذلك لا غرو أن جاءت معظم المواد المدرجة في هذه المجموعة، معبِرةً عن ذلك الهاجس الذي لا يزال يسكن روح النص.

وختاماً وبإكتمال هذه الانطولوجيا ووصولها ليدي القارئ، متضمنةً أعمالاً مختارة لبعض المبدعين الارترين الذين يكتبون بلغة الضاد، نرجوا أن نكون قد ساهمنا في الجهد المبذول لإضاءة بعض اجزاء اللوحة التي لن تكتمل –حتماً- بإصدار واحد.

 

 

 

 

* نص مقدمة أنطولوجيا "مرايا الصوت" للمؤلف نفسه

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أضـــــواء | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “عن الأدب الإريتري المكتوب بالعربية.. إضاءة أولى”

  1. أنرت زاوية طالما تعامينا عن رؤيتها مجبرين لك كل التقدير

  2. السلام عليكم

    نظرا لكون التواصل يعد عاملا أساسيا في نجاح رسالة التدوين ،و لأن ظروف أغلب المدونين لا تسمح في الغالب بالمواضبة على تحقيق هذا العامل.لهذا السبب جاءتنا فكرة المجموعة البريدية للمدونين الجزائريين

    فبتعاملكم معها سيتلقى كل واحد في بريده الإلكتروني كافة النصوص التي ينشرها الأعضاء،و يستطيع أن يبلّغ هو بدوره ما يكتبه للجميع.

    هذا و نشير بأننا سنتقدم بدعوة للإخوة و الأخوات المثقفين الجزائريين من خارج أسرة التدوين و هذا حتى نمكنهم من متابعة وضعية هذا الميدان و التواصل مع أهله.

    كتاباتكم يمكنكم مراسلتنا بها عبر العنوان التالي :

    blogs_algerie@googlegroups.com

    تقبلوا منا فائق الإحترام

    المجموعة البريدية للمدونين الجزائريين



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر