الإنسان… اللحظة الواعية
كتبهاالخير شوار ، في 27 أبريل 2009 الساعة: 19:36 م
شرف الدين شكري
نحن لا نحيا في الحقيقة إلا اللحظة المُفَكَّرَة، عدا هذا، فإنَّ حياتنا ليست سوى ذاكرة أحلام شاحبة، بلا تاريخ، ومداها غائر في الهيولة، لا يؤسس إلا لأشباح غبية لا تُحسن التفكير.
قد يكون هذا مصير العامة التي لا ينال منها وخز الإحساس بمصيرها والتي غفلت عن مكانتها وسط «القطيع» المستضعَف.. وأمَّا المصير المتذبذب لرجل الثقافة وقد غفل عن نفسه هو الآخر وسط القطيع، والذي سرعان ما استفاق من عسل النومة الخنوعة وتساءل بشدَّة عن الوقت إثر الضربات العنيفة لساعة الزمن- العمر وقد أخذت تطنُّ بأجراسها مؤذِّنة لنهاية النوم، فإنه يشذُّ عن هذه القاعدة.
ولحسن الحظ أنه يشذُّ!
فلولا هذا الشذوذ، ما كانت الأرض لتكون، وما كان الإنسان ليوجد، حتى بانبثاق الحياة من الماء. وهذا ما أتلهَّى بتسميته، وبكل ما أوتيتُ من معرفة ساذجة وناضجة بـ «أصل الإنسان».
أصل الإنسان لحظة ولود واعية. تاريخ الإنسان وإن غفلت عنه الأزمنة واستفاق خارج القاعدة الكرونولوجية الخاضعة للعِقد، لحظةٌ ولود واعية خالصة. استرسال الدماغ في غربلة المُتراكِم في أيقونة القراءات المُستغفِلة للإنسان وانتقاء الأغذية الأرضية الصالحة… لحظة ولود واعية. اعتصار الأفكار الجديدة من أجل لغة مبدِعة تقول المنبوذ وتهلِّل للمعنى المنبسط على لوح الشفاعة والأمنية… لحظة ولود واعية خالصة. كسوة المنبوذ في عيد الكلام، وتزويجه إلى عروس الفرحة اللاَّشرعية التي تضمن له حق الصهيل والغناء والفوضى المستغبِيَة للغباء والعقل الفج… لحظة واعية. نكش الصُوَر العالقة بحائط الأيام ، وربطها إلى أوراق السقوط ، والتلذُّذ باسترجاع الحق في الموت… لحظة واعية. تخليص الحاضر من وسخ العابر والسفر إلى أزمنة المحيطات الحزينة مرورًا بالشجرة المُباركة التي آوت إليها (مريم) ، واعتصامًا بحبل وجعها- دليل حب الله لها، حين همَّت بوضع المسيح على عتبة «روما الجليل» وصفيح الخيانة من يهوذا، إلى الشجرة الحبلى بثمرة الغريب وسفرة البعيد الآتي من أرض أوروبا إلى بلاد المغول، إلى عودة الابن الضال بالكثير من الأغذية المحرمة والآيات الداعية إلى نص الحب والانعتاق…. لحظة واعية. هدْهَدَةُ الكتابة اللَّعوب واحتضان العمق الصامت في الكلام والحيوان الخالص والإنسان الأجمل… تركُ الكلام إلى الحيوان المنقول والكتابة إلى الإنسان الأجمل… لحظة واعية. جذبُ الحبيب إلى مستخلص العبق وتمكينه من الغناء والتعشُّق ومراقصة الرغبة وفتح باب المجهول أمام الجسد المصقول من أجل السباحة في المستحيل وفي لجج الحلم البعيد…. لحظة واعية. وقف نزيف آلام الآخر…. لحظة واعية. تبسيط الكلام أمام وجه الحبيب الجميل المُغَيب في سدوم الثاني المعشوق، واندثار آمالنا رغم ابتسامتنا التليدة، وتشبثنا به فوق وجيعتنا… لحظة واعية. أَخذُ الكبير إلى مكان قصي واحتضانه كطفل وحيد لم تشعر الكائنات المسترسَلة من عباءته منذ ملايين السنين باشتياقه لها، وجعله يعترف بما تجاوز لغة الكواكب من آلام وانعزال وعصيان مرير- نديم….. لحظة خالصة واعية. الانتهاء من الكتابة والاحتفاء بميلاد النص الجديد- الجموح- المؤسس-المغاير- القاتل لما مضى- المُتجاوِزِ للكاتب- المُخترِقِ لقواعد العرف- الفحل- المخضَّب…. لحظة واعية.
***
يا الله……. ما أجملها هذه اللحظة الولود الواعية!…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أضـــــواء | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























