البكاء حد الضحك

كتبهاالخير شوار ، في 20 أبريل 2009 الساعة: 21:53 م


الخير شوار

معلقات الشعر الجاهلي، التي قيل بانها سبعة وقيل عشرة، مازالت تشكل مرجعا أساسيا في ثقافتنا، يقولون بأنها كتبت بماء الذهب وعلقت على أستار الكعبة، وربما لهذا السبب مازالت تكتسي تلك القدسية، ويحفظها الكثير عن ظهر قلب كما تحفظ النصوص المقدسة، رغم أن ألفاظها في الغالب حوشية ومواضيعها عادة لا تمت لحياتنا المعصرة بصلة. تلك القصائد تبتدئ بالبكاء على الأطلال، وعنترة يقول: هل غادر الشعراء من متردم- أم هل عرفت الديار بعد توهم.

ويصل البكاء حده عند امرئ القيس، الذي أعلنها صراحة في مطلع معلقته: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل". وكنا نقرأ تلك المعلقة ونتساءل: لماذا البكاء فقط وليس الضحك؟ لماذا لا يقول الشاعر مثلا: قفا نضحك"، ليصبح الموضوع "الضحك على الأطلال" بدلا من البكاء عليها، لكن الواحد منا عندما يندمج في ثقافة مجتمعه فينسى ذلك السؤال الذي قد يبدو بعد ذلك ساذجا وغير مشروع.

وقد يكون هذا هو مصدر تلك الدموع المنهمرة بغزارة في تراثنا الأدبي، والتي تبلغ مداها ونحن نبكي جماعيا على "أطلال" الأندلس، مرددين بيتا منسوبا لأم أبي عبد الله الصغير، آخر ملوك بني الأحمر عندما سلّم غرناطة بدون قتال لجيش فرناندو وإيزابيلا: "ابك مثل النساء ملكا مضاعا.. لم تحافظ عليه مثل الرجال"، فمن أين يأتي الضحك يا ترى؟

لقد أصبح الضحك بمثابة "الطابو" الذي لم تجرؤ على كسره إلا القلة من الكتّاب، رغم أن الكثير منهم تفنن في تكسير ما يسمى بالثالوث المقدس (الدين، والسياسة والجنس)، فلماذا يبقى كتّابنا عند وقارهم الزائف ولا يزيدوننا إلا نكدا على النكد الذي نعيشه في حياتنا اليومية؟، والكثيرمن الكتابات العالمية المرجعية، ليست حزينة بالضرورة، فرواية "الحمار الذهبي" لـ"جدنا الأول لوكيوس أبوليوس أول روائي في التاريخ) ساخرة وتدعو إلى الضحك، وأول رواية بمقاييس العصر الحديث "دون كيشوت" لميغيل دي سيرفانتس مليئة بالسخرية والضحك، فالأدب ليس مرادفا للتجهم والنكد بالضرورة.

ولئن كان صورة أدبنا قديمه وحديثه حزينة دامعة، فإن هناك بعض الاستثناءات التي تؤكد القاعدة، مثل شعر ابن الرومي، الذي لم يلتفت إلى قيمته الأدبية إلا في العصر الحديث. ومثلما تقول القاعدة "إذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده"، فقد جرؤ البعض على تكسير طابو الضحك، مثلما فعل الكاتب غالب هلسا في روايته المسماة "الضحك"، ويعود بنا الشاعر أحمد مطر إلى بكائية امرئ القيس لينسج على منوالها: "أيها الناس قفا نضحك على هذا المآل.. رأسنا ضاع ولم نحزن وحزنا عند فقد النعال". وفي محاولة منه لكسر هذا الطابو (اللامفكر فيه في الكثير من الأحيان)، سبق للكاتب الجزائري المغترب عمارة لخوص أن أبدى نيته في كتابة رواية تتمحور حول الفرح وهو من عائلة الضحك، وهو ألامر الذي أثار استغراب من استمع لتلك الفكرة.  

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : علامــــــات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر