
مدونة سردية خارج سلطة التجنيس
يتأسس المنجز السردي قي كتاب أسامة وحيد "أحمد بن الصغير القروي الذي قاد انقلابا فاشلا" على تختزنه الذاكرة الفردية من أوجاع ثقافية ووجودية في صلتها بالوجع الإبداعي المزمن وهو بهذا التوجه
يصل بين الكتابة السردية وحق الوجود ومقاومة عوادي الدهر دون السقوط بين حبائل اللغة التقريرية الممجوحة قلبا وقالبا.
قلولي بن ساعد
يعود حضور صديق أسامة، الأديب " أحمد بن الصغير " المكثف كذات مسرود عنها وبها في اهتزازاتها وتوتراتها وخيباتها وانكساراتها مستحضرا محصلة ثقافته ومخزون ذاكرته الفردية خوفا من التلاشي
في أتون الماضي وبعيدا عن ما يسميه مصطفى الكيلاني " مشهد الجدب والسقوط في مستقبلية مجرد تقدم الماضي والحاضر وتلوذ بزمنيه لا تاريخية تعجز عن تخطي حدود ذاتها المغلقة"، إذ يبدأ هذا النص
السردي بخاتمة مفتوحة على اللانهائي من التوقعات كما لو أن خاتمة الايام الاخيرة من يوميات "أحمد بن الصغير" هي البداية الفعلية لهذا النص السردي وهي بهذا المعنى عودة قسرية تجاه الماضي بما هو
المحرك الاساسي لفيض كبير من الانفعالات ومادة علائقية تمكن السارد ـ أسامة وحيد ـ من إستقراء تجربة " أحمد بن الصغير " ـ المسرود عنه الخاصة في الحياة والوجود والمقاومة وعود على بدء تعود
الاحداث عند النفكيك، وإعادة البناء الى الطفولة باشارات عابرة الى سنة 1970 تاريخ مولد أحمد بن الصغير بقرية "عمورة" وفي ذلك ما يصل هذا النص السردي بما يشبه الترجمة الذاتية إذ تتعدد الصور
والمترادفات ويطغوا على البنية المفرداتية لهذا الفصل قاموس معجمي يمتلىء عن آخره بعبارات على غرار " الجبل ـ الشيح ـ العرعار ـ الشلال ـ الوديان ـ المغارة ـ الريح ـ البرد " وغير ذالك من المفردات
التي تحيل على مخزون الكاتب من لغة الاستعمال اليومية في قضاء سهبي شبه صحراوي هو من أكثر الفضاءات امتلاءا بكل ألوان التراث الحكائي والشعري ابجرسها الخاص ولهجتها المحكية الافرادية.
...إنها الذاكرة حين تحيل على بدء الطريق في نقطة نائية هناك من الجزائر العميقة... الرحم الاول ومصدر الحياة البدئية الى الحد الذي جعل السارد يغوص عميقا في الزمن التراجعي لبيان صلة الفرع
بالاصل والكشف عن شجرة العائلة ومدى إنغراسها في تربة لا يطالها الشك ولا الزيف، وكما تحتزن الطفولة صور الارض والعشيرة تكتظ أيضا بمعاني الشموخ والآباء والانتماء العقائدي إذ يرتبط مدلول الأرض
بدال هو الذاكرة الفردية والجماعية وبهذه العودة يتمسك السارد بموقعه الزمني وإن بدت العودة إلى ماضي" احمد بن الصغير" محض اختيار السارد تبعا لذالك المنظور التاريخي والوجودي فهي أيضا عودة
في إتجاه آخر هو ماضي السارد أيضا أو بعبارة أصح "السارد الخارج نصي" أي أسامة وحيد على اعتبار ان الإثنان ينحدران من قرية واحدة وتجمع بينهما روابط الدم والعشيرة ومارسا معا مهنة الصحافة
وعليه فليس الماضي بالضرورة بوابة تفتح باستمرار على الراهن كما هو الشأن في الأعمال الروائية ذات الطابع السيري تلك التي تنطلق من أسئلة الراهن كي تعود إلى الماضي بل هو الفرار بدوافع "ذاتوية"
غالبا من سجن الحاضر الى أركان الماضي. .. ولكن هل العودة الى ماضي " أحمد بن الصغير " ثم راهنه المنقضي تستجيب حقا لموقف السامة وحيد من الذاكرة والماضي في الفن والحلم والفعل ؟
! وهل البحث مدفوع بالرغبة في معرفة هذا الراهن لمواصلة نهج الكفاح من أجل التغييرأم هو شكل آخر للفرار من سجن الحاضر ؟ ! لقد أشرنا أن هذا المنجز السردي وهو منجز خارج عن أي تصنيف
كان نقول قصة أو رواية يبدأ بخاتمة مفتوحة على اللانهائي من التوقعات إذ تحيلنا نهاية رحلة أحمد بن الصغير مع الحياة والكينونة والوجود الى إنطفاء " ذات عارفة " بتعبيرمحمد عابد الجابري ذات يوم
مشهود من أيام شهر جويلية 2007 في منطقة اشار السارد أن: " أهلها لا يعرفون هل هم من الشمال أم من الجنوب فلا رمل ولا بحر فقط فراغات تسمى الجلفة " وقد أدرج السارد أحداثا عدة لشخوص
رافقت أحمد بن الصغير في حياته المتقلبة ويفترض في الآن ذاته راهنا بدايته البحث في أطوار الشخصية وأسرارها الامر الذي يوميء الى عديد الامكانات القابلة للحدوث في محطات مختلفة فتنتظم حركة السرد
رغم كثرة الاحداث والتفاصيل داخل ازمنة ثلاثة تتداخل بين طيات هذا المنجزالسردي هي ماضي المسرود عنه ثم الراهن الذي عاشه ثم لحظة الانطفاء ولهذا تنتشر علامات الانطفاء والموت على مساحة واسعة
من الفضاء النصي لهذا المنجز السردي كأن يقول السارد : " أحمد الدايم ربي...عبارة ظل يرددها كادت أن تخرم دماغه. .. في الامر خطأ. ..في الامر التباس... في الامر تشابه
أسماء وصور وأرقام ها تفية. .. من تكلم لم يكن أخو أحمد والرقم ليس رقم أحمد. .. هناك فاجعة كارثة. ..دموع متحجرة ورعب ينتظر المجهول " فيشكك السارد في البدء في فرضية
الموت والانطفاء أو بالاحرى لا يصدق ما سمع وما رأى ويظل غير مدرك تماما لهذا الذي يحدث أمامه لكنه سرعان ما يستسلم لمقادير الزمن ولهذا السبب يستعين في نصه بنصوص سردية موثقة لهذا الذي جعل
من حياته علة وجود نصه السردي استقاها من مجموعة أحمد بن الصغير القصصية "أجراس المكان" بل الاكثر من ذالك أنه يدرج آخر نص قصصي كتبه أحمد بن الصغير قبيل وفاته بأيام قلائل وفيه تنبأهذا
الاخير بموته بعنوان "أذكريني"، وهو لعمري عنوان دال ورامز ليثبت في الأخير السارد أن "أحمد الصغير" ليس الا رمز حياة جمعية وضمير جيل فهو أقرب الى أن يكون حاصله حياته وحياة المحيطين به
وبهذا التأويل لا يمكن لأحمد بن الصغير أن يموت لانه ماثل بإستمرار في حيويات الشخصيات ملازم لها طيلة الحكاية مؤثر فيها ومتأثرا بها.
للموضوع إحالات
كتبها الخير شوار في 07:58 مساءً ::
