اليوم الأدبي

دفتر في الأدب والفكر

الإثنين,أيار 05, 2008


6531
مسعود غراب
كالعادة عنما يخرج من البيت كلّ صباح.. لا يسلم على أحد من الجيران.. وبعض المعارف الذين قد يلقاهم، يمضي بجوار الحائط ، يود أن يلتصق به وكأنه لا يرى أحدا .
بينما ها هو في بعض الأحيان الأخرى يبدو بشوشا ومرحا يسلم بصوت عال على من يلقاه.. وكأنه صديق حميم، وقد يكون بالأمس القريب قد مرّ بجانبه وتحاشى حتى أن يراه..
صارت تتكون عندي فكرة بعد زمن طويل من معرفتي له، أن الرجل يعاني من مشكل ما.. وربما هو في أمس الحاجة للمساعدة والوقوف بجانبه..
ها أنا أنظر إليه وأحدثه، وكان الكثيرون لا يقدرون الحديث معه بهذا الشكل:
 - أيها الرجل ما بك؟ أهلك بخير.. الوالد والوالدة في صحة وعافية..؟ هل لديك مشكل ما في العمل؟ تكلم.. إني أحس بك..
 -لا، لا، أنا بخير.. وكل شيء على أحسن ما يرام.. وأموري الخاصة لا أحب أن يتدخل فيها أحد.
 - حسنا، على كل حال أنا في الخدمة ، وأحب أن تكون بخير دائما.
 حاولت أن استدرجه أكثر من مرة في الحديث، عساني أعرف أسباب بعض السلوكيات الغامضة دون أن أشعره بأي شيء غير عادي، يجرح شعوره، بل دائما أعامله كباقي الأصدقاء الذين ألقاهم في العمل و

أحرص أيضا أن يعامله الآخرون كذلك.. وإن كان بعض الأصدقاء يلقون صعوبة في التعامل معه، ولم يستطيعوا التأقلم مع تقلباته المفاجئة، وغير المفهومة، ومع ذلك كان أحدهم دائما يقول :
- إذا سلم سأسلم عليه، وإذا لم يسلم سأتركه حتى يفيق.. دونما أي إحراج..
وكانت هي الطريقة السهلة في التعامل معه، حتى يتجاوز أي إشكال معه.
وهو في حالته التي يكون فيها منبسطا، وهي الحالة الأندر، كان من حين لآخر يهمس في أذن بعض الزملاء وكأنه يفشي سرا، عن بعض الرجال المعروفين في المدينة ويرميهم في أعراضهم.. وكأنه يتخذ من

ذلك وسيلة تجعله يتميز عن باقي الزملاء..
وأنه بذلك قد يكون رجلا مهما في المدينة، وأنه صاحب أخبار ولا يخفى عليه شيء.. وفي كل مرة يختلق قصة يسرّ بها لأحد الزملاء..
ولم يسلم من لسانه حتى بعض الزملاء الذين يتمنون له كل خير، أو على الأقل لا يتمنون له غير ذلك.. كان يبتذل الصدق والإيحاء دون المباشرة، وهو يبث سمومه، كمن يضع السمّ في العسل.
بعد كل قصة يحبكها والتي دائما ترتبط بحدث ما في المدينة.. يسكنه شيء من العُجب بالنفس، كأنما حقق إنجازا مهما..
وكثيرا ما يسعى إلى كسر أي لحظة هدوء بين الزملاء.. وكأنه والهدوء ضدان . بينما هو يميل كثيرا إلى الإنعزال و الإنفراد، وكثيرا ما ينزعج ممن يحاول إخراجه من تلك العزلة، ولا يسعى للجماعة إلا

عندما يريد بث شيء من هواجسه، وهو في كل ذلك يتلبس بلباس الاعتدال والنصح والرجولة، وكثيرا ما ينخدع له الأخر ون .
ذات مساء، بينما يخرج الناس إلى ضواحي المدينة يتفسحون.. و يغيرون أجواء المدينة الصاخبة إلى حيث الغابة الجميلة والطبيعة الخضراء والهواء النقي، اختار هو جهة بعيدة موحشة وراح يبتعد عن المدينة

في الجهة الجنوبية، وإذ هو كذلك رأى شبحا على هيئة حمار ممدّد على الأرض راح يقترب نحوه.. وهو يدنو إليه وجد الحمار المسكين يتخبط، اقترب منه أكثر وإذ به على وشك مفارقة الحياة، جلس بجواره،

نظر الحمار إليه نظرة باهتة، وهو في سكرات الموت وروحه تخرج إلى بارئها .
مكث مدة وهو يتأمل في جثة الحمار الهامدة أمامه قبل أن تخطر بباله فكرة .
-هذا الحمار المسكين لا أهل له، ولا صاحب.. وفي هذا المكان المكفهر لا يوجد حتى الغراب ليواري سوأة هذا الحمار، حتى الغربان تعفّفت عن مثل هذه الأمكنة.
-لا بد من دفن هذا المسكين قبل أن تنهشه الكلاب والضباع .
همّ يحفر بجانب الجثة، ثم سحبها، هال عليها التراب، وجعل على القبر شاهدين وكتب عليهما بخطه الرديء:
-هذا ضريح سيدي الشيخ الرجل الصالح.
 وأسفل ذلك كتب :
 - أدعو له بالرحمة.
 كانت الشمس قد مالت إلى الغروب .
في الصباح، يبدو مرحا وبشوشا، يبادر بالسلام على أول من يلتقيه ويسأله :
- هل سمعت بخبر الرجل الصالح الذي عثر على قبره في الضاحية الجنوبية .
-لم أسمع؟ متى؟ وكيف ؟
-لقد سمعت بذلك البارحة، يقال أنه من أقدم الصالحين في المنطقة كلها..
في المساء وهو يعود يلتقي بجمع من الجيران وقد انتشر الخبر في كل المدينة :
 -هل سمعت بخبر الرجل الصالح؟ (يسألونه )
-نعم سمعت .