
تفكيك الهجرة وتركيبها
محمد الأصفر*
الهجرة فعل فطري عرفه الكائن الحي منذ الأزل.. فنرى هجرات الطيور والأسماك والحيوانات وغيرها من مكان لآخر طلبا للكلأ أو للتكاثر أو الدفء.. أو هربا من ظروف بيئية غير آمنة كالأوبئة والصيادين والظروف المناخية غير المناسبة للحياة كالزلازل والبراكين والأعاصير والفيضانات التي تكتسح العالم بين حين وآخر .
موضوع الهجرة من المواضيع المهمة التي ناقشتها الكتب الإبداعية أو الاجتماعية أو العلمية ودلق في مدونتها الكثير من الحبر وأجهد العقل في تحليل المشكلة وعرض مسبباتها واقتراح طرق لعلاجها .
قد يعتقد البعض أن الهجرة مرض أو مشكلة.. لكنها ليست كذلك هي أمر طبيعي يقوم به الكائن سعيا لحياة أفضل ومحافظة على وجوده من الفناء.. وقد شهد العالم هجرات مازالت مستمرة حتى الآن وبواسطة دراسة ومعرفة هذه الهجرات استفاد العلم كثيرا.. هذا عندما نستعرض الهجرات غير البشرية.. لكن عندما نتحدث عن الهجرات البشرية فنجد أن أسبابها متعدد دينية وسياسية واقتصادية ونفسية وغيرها.. فالهجرة هي الرحيل نحو الأفضل.. ولا يهاجر الإنسان إلا مضطرا.. وقد يعرض حياته للخطر من أجل الهجرة.. وهذا الأمر يقول لنا أن البقاء في المكان وعدم الهجرة هو أشد من الموت بل هو الجحيم بعينه .
الروائي المعروف الطاهر بن جلون تناول موضوع الهجرة في روايته الأخيرة « أن ترحل « التي كانت مسرح أحداثها طنجة واسبانيا.. والانطلاق في أي عمل إبداعي من طنجة لابد أن يتسلل إلى العمل أعلام طنجة في مجال الأدب.. المغاربة والأجانب.. مهما حاول الروائي أن يبتعد عنهم أو ينأى بعيدا عن ملعبهم.. لأن المكان أو طنجة قد تم استعمارها أدبيا ولم تتحرر بعد من قبل أسماء كبيرة كجان جينيه ووليامز وبول بولز وأخيرا محمد شكري.. فشخصية ميشال المثلي الأسباني التي ينقلها ويداولها بن جلون بين جان جينيه كما في لحظة الموت والدفن في المغرب والتبني والحزن على العشاق الراحلين وبين بول بولز الذي ذكر في الرواية ضمنيا زوجته وقطها وغلامه الذي يسرد عليه الحكايات بالدارجة المغربية ليكتبها بالانجليزية وينشرها مقابل المال القليل أو بعض الخدمات الأخرى.. فطنجة المدينة الحرة التي يمارس فيها كل ممنوع والمريحة جدا للشواذ وللسياح الباحثين عن المتعة وذلك لفقر سكانها ورخص أسعارها وانفتاحها واشتعالها بالحوادث والجرائم اليومية وتأثرها بالوضع السياسي العالمي نتيجة موقعها الجغرافي المميز والاستراتيجي حربيا واقتصاديا.. مدينة سنعتبرها ملهمة والانطلاق منها في أي عمل فني سيتحصل الروائي على أرض خصبة مجانية وعلى حطب كثير يشعله بآهة حرّة ومن دون سكب وقود.. لكن ماذا ستفعل للسابقين المتربصين بك الذين ستجد بصماتهم على ظهور السباسي وعلى أكواب الشاي والقهوة وعلى التراب الرطب وعلى أجساد النساء والرجال الذين مروا بهم.. عليك أن تهرب أولا من هذا المناخ ثم تكتب وبمأن الهرب مستحيل فالأريح هو تضمينهم وإعطائهم الأتاوة أو المساحة اللائقة بهم في روايتك كي تتمكن من إتمام لعبتك واللعب ببعض الحرية في وطن مكبل بإبداع رفيع بذل في سبيله مبدعيه حياتهم وأحلامهم .
تبدأ رواية بن جلون أن ترحل بداية عادية.. شاب من أسرة فقيرة يعيش في مدينة طنجة يرى يوميا غرقى فشلوا في اجتياز الحدود إلى اسبانيا لكن على الرغم من ذلك هو مصرُ على الهجرة لأنه بطالة.. لم يجد عملا على الرغم من شهادته الجامعية في الحقوق.. الشاب يعيش حياة الشباب.. وعندما غرق ابن عمه الذي دفع للمهرب العافية رسوم التهريب يحاول ان ينتقم من العافية رجل العصابات فعندما يثمل يشتمه أمام رجاله فيقوم رجاله بضرب هذا الشاب الذي اسمه عزالعرب ومختصر بإسم عازل.. وبعد ضربه تم رميه في الشارع ليقف عليه ميشال بسيارته ويسعفه في بيته وميشال يعجب بالشاب المغربي الوسيم فيقرر أن يتخذه عشيقا له لكن عندما يستيقظ عازل من الإغماءة يغافل ميشال وخدمه ويهرب من المكان ليعيش حياته الطبيعية.. حياة الشباب وما فيها من ملذات.. ذات يوم تقوم الشرطة بحملة على باعة الحشيش وعلى المهربين ويصادف أن يكون عازل في إحدى الحانات فيلقون القبض عليه ويجدون في جيبه بعض الحشيش فيعذبونه من أجل معرفة معلمه وزعيمه ويصل التعذيب إلى هتك عرضه من قبل الشرطيين وهنا كي يهرب من هذا المأزق يتذكر الاسباني ميشال الذي لديه علاقة جيدة مع السلطات فيذكر اسمه فيتم احضاره ليخرجه من السجن ويعالجه ويتخذه عشيقا رسميا له ويساعده هو أسرته في السفر الى اسبانيا عبر تشغيله بعقد لديه وعبر الزواج من اخته كنزة صوريا ودخوله للإسلام من أجل إنجاز هذا الزواج ويرحلون إلى اسبانيا وهناك يعيشون جيدا ويشعرون أن حلمهم قد تحقق ويرسلون الأموال للمغرب لكن عازل يعرف جيدا ما ثمن انتقاله إلى الضفة الأخرى من المتوسط واخته أيضا.. ويستمر عازل أو عز العرب في مضاجعة ميشال إلى أن يمل منه ويشعر بأن رجولته ستنتهي بل يفقد الانتصاب بالمرة نتيجة سحر من غجرية عملته له مديرة منزل ميشال وتتوتر العلاقة بينه وبين ميشال ويقرر ميشال انهاء عقد عمله كي يعود إلى المغرب ويرفض عازل ان يعود ليتحول الى مهاجر غير شرعي في يوم ما قبضت عليه السلطات ووجدت في جيبه بعض الحشيش ولكن قبل ان يقرروا ترحيله عرض عليهم ان يعمل مخبرا وقدم لهم معلومات عن بعض الخلايا الإسلامية
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ