يُعتبر الشكل الشعريّ مطيّة موسيقية يمتطيها الشاعر ليقطع بها غابات القول وأدغاله الكثيرة، فالشاعر فارس خيلُه الكلمات وقد تموسقتْ على ألحان شتى، وتختلف قدرة الشعراء على الكرّ والفرّ وعلى المناورة والإغارة.
محمد الأمين سعيدي
ليس كل شاعر فارس في موسيقاه، وليس كل واحد منهم قادر على لَـيِّ عنق الوزن وشدِّ لجامه إلى حيث جهة شاء وفي أي وجهةٍ أراد. ونحن بكلامنا هذا لا نقصد إعطاء الوزن أكثر مما يستحقه لأنه جزء بسيط من العناصر المكونة للشعر، ولكننا نفرِّق بين شاعر يركبُ الوزن فيقود معانيه وشعره كما يشاء وبين آخر يركبُه الوزنُ فيقوده بنغماته إلى التكرار وإعادة ما قيل سابقا، «وعلى هذا كان لابدّ في الأوزان التي نظم بها العرب من موافقة المعنى في حركاته النفسية للوزن في حركاته اللفظية، حتى يكون هذا قالب ذاك.» وإذا اعتمدنا على هذا المقياس وجدْنا أغلب الشعر القديم موافق لهذا المذهب، وأكثر شعرنا الحديث مخالف له مبتعد عنه. وحركات الوزن اللفظية ليستْ في معزل –كما يرى الجرجاني-»عن اللفظ الجزل، والقول الفصل، والمنطق الحسن، والكلام البيِّن، وإلى حسن التمثيل والاستعارة وإلى التلويح والإشارة.»
من هذه المقدِّمة أردنا أنْ نلج قراءتنا لديوان:»السفينة والجدار» للشاعر عبد القادر رابحي، الصادر عن دار ليجوند في العاصمة الجزائر، ولعلَّ تقديما كهذا الذي به قدَّمتُ يوحي إلى القارئ بطبيعة هذه الدراسة، التي تتوجَّه كما أردْنا لها -وفق ما وقعْنا عليه في الديوان من خصائص- إلى بحث الجانب الموسيقيِّ من حيث علاقته بالمعنى ومن حيث قدرة الشاعر على التحكّم فيه على وجه أنقذه من التكرار الممجوج والنغمية التي أصبح شعراء العمودي يخفون بها عورات قصائدهم.
أما الشاعر عبد القادر رابحي فمعرفتنا بإنتاجاته الشعرية السابقة تجعلنا نتفاجأ بهذا الديوان ونتساءل، لأن الشاعر منذ ما يقارب ثلاثين سنة كان لا ينشر إلا قصائد التفعيلة ولمْ نقرأ له في دواوينه السابقة:»الصعود إلى قمة الونشريس»، «حنين السنبلة»، «على حساب الوقت» قصيدةً عمودية واحدة إلا بعض المقطوعات العمودية التي اشتغل فيها اشتغالا حداثيا فغيَّر وجهها حتى صارتْ على غير العمود، ومن هذه المقطوعات ما يقوله في ديوان»على حساب الوقت»، قصيدة»مقام الصبا»:
«أذروكَ تنسجمُ
أقفو خطاك التي كالرمل نائمةٌ
أسرارُها في جدارٍ ظلَّ يبتسمُ
أبنيكَ تنهدمُ
أُدمي سفائن عينيكَ التي ضحكتْ
حزنا على كلماتي دونما ندمٍ
ها أنتَ تلتئمُ
ها أنتَ تولد من صبري بلا خجلٍ
في صمتكَ الوقتُ لمْ تغرقْ سفائنه
وفي معانيكَ هذا اللوحُ والقلمُ..»
وفورَ قراءتي للديوان سنة 2005 تفاجأتُ حقا بهذا النص، وطرحتُ الأسئلة التالية: هل باستطاعة شاعر الآن أنْ يكتب القصيدة العمودية بمنطق شعري حداثي؟ كيف استطاع الشاعر في هذه الومضة أنْ يكتب الشعر على نمط موسيقي عمودي وفي الآن نفسه بطرح حداثي حتى إنّ من لا يعرف الإيقاع والوزن يعتبر هذه القصيدة من شعر التفعيلة؟ هل أعتبرُ هذه القصيدة إنقاذا للشعر العمودي من سجن التكرار والاجترار؟
ولمْ أستطع حينها أنْ أجزم في أمري حتى وصلني ديوان»السفينة والجدار» هذه الأيام، فوجدتُ أنّ الشاعر حقَّق في ديوانه هذا نفس ما حققه في قصيدة»مقام الصبا» في ديوان»على حساب الوقت» بل إنه استطاع في اشتغالات كثيرة على القصيدة العمودية أنْ يكتبها على غير ما كُتبتْ به وقد نجح في أكثر القصائد في هذا الأمر.
1- مخادعة أفق انتظار القارئ موسيقيا وهندسيا:
يبدأ الديوان بقصيدة: «بكائية امرئ الجرح الأخيرة» ويفتتحها الشاعر بمقطع تفعيلي ثمّ ينتقل بعده مباشرة إلى بحر الخفيف ليقول فيه 60 بيتا ليتأكّد لنا بعد ذلك أنّ كلمة بكائية في العنوان يقصد بها المعلقة:
«أتذكر حين تملَّككَ اليأسُ
حينَ تأبَّطتَ قلبَكَ
غادرْتَ قومَكَ
في ليلة لا تراكَ
وعلَّقْتَ عمركَ في صمت هذا الطريقْ
أتذكُر حين تغمَّدكَ الوجع الباطنيُّ
وحاولْتَ أنْ تستفيقْ..؟»
انطلاقا من هذه المقطوعة يصاب القارئ بخيبة أفق انتظار تنقلها إليه العينُ بمجرد ما يقلب الصفحة ليجد أنّ بقية القصيدة عمودي، وأنّ المقطع التفعيلي ليس إلا مقدِّمة مخادعة، بل وسيشاهد بالعين انتقال القصيدة من هندسة شكلية قائمة على مبدأ السطر الشعري المتفاوت إلى هندسة أخرى تقوم على البيت المتساوي المحدود البداية والنهاية. أو ربما إذا كان قارئا جيدا يكتشف أنّ استكمال ما بقيَ في نفس امرئ الجرح-القيس لا يمكن أنْ يتأتى إلا بمطلع حداثيّ لأنّ موضوع القصيدة ذاته هو رؤيا شعرية تصورَها شاعر يعيش في هذا العصر معنا وربما يعي-القارئ-أنّ استكمال ما في نفس امرئ القيس يجب أنْ يكون بالشكل الذي أخرج به هذا الشاعر الجاهليّ أوّل ما كان في نفسه، ومن ثمة تصبح القصيدة الأولى بما فيها من ابتداء بالتفعيلة مسوِّغا للديوان كله ومبررا لماذا كتبه الشاعر بالشكل العمودي، وكأنّ الديوان»السفينة والجدار» ليس سوى استكمالٍ لما بدأه امرؤ القيس ذات يو





























